بقلم: د. أحمد علي حماد
كانت السماء الرمادية فوق ميونخ تمطر خيوطًا باردة، تتساقط على زجاج النافذة حيث جلست روز دي لافيرن، الطبيبة الإسبانية ذات الشعر الذهبي الذي يعكس ضوء الغروب كخيوطٍ من الحرير.
كانت تُراجع دروسها في علم طب الأطفال، لكن ذهنها كان شاردًا بعيدًا، يتأرجح بين رغبتها في فهم هذا العالم المتناقض وبين حيرتها من كل ما يُقال عن الإسلام والعرب.
“يقولون إنهم إرهابيون… لكن أليس من الغريب أن يكون مليار إنسان كلهم كذلك؟!”
همست لنفسها وهي ترفع فنجان القهوة إلى شفتيها.
كانت تدرس في ألمانيا منذ ثلاث سنوات، بلدٌ تحكمه المادية وتملؤه الدعاية الإعلامية ضد كل ما هو شرقي.
كانت تسمع زملاءها يتحدثون بسخرية عن المسلمين، عن “المحجبات” و”اللحى” و”الإرهاب”، لكنها في داخلها كانت تقول:
“أنا طالبة علم ، لا يمكن أن أحكم على أمةٍ كاملة من الأخبار.”
في إحدى الليالي، وبينما كانت تتابع نشرة الأخبار في القناة الإسبانية، لأن الإعلام الألمانية يبني الرواية الإسرائيلية كباقي دول الغرب وأمريكا ، انقلب وجهها شاحبًا.
كانت الصور القادمة من غزة، مجازر، أطفال تُنتشل من تحت الركام، وأمٌّ تحتضن بقايا طفلها كأنها تحميه من الموت، وأصوات الموتى هنا و هناك، موت يتحدث.
الاسرائليون، يقتلون كل شيء يتحرك، وكل ساكن، أنهم لا يفعلون إلا أن يفسدوا في الأرض بما تحمله الكلمة، لا أحد يقف أمام عينهم أو ضميرهم، لذلك لأن
تقتل دون خوف، الأمم المتحدة، منظمات حقوق الإنسان، الطفل، المرأة،حتى منظمات حقوق الحيوان، لا تخشى شيء، أنها في الأساس لا تخاف من الله تعالى ، فكيف تنظر إلى الناس،
سقطت دمعة على خدها، ثم الثانية.
كان المذيع يتحدث ببرودٍ عن “ردٍّ إسرائيلي على الإرهاب”، لكن قلبها لم يحتمل الكذب.
وفي اليوم التالي، شاهدت على الإنترنت فيلمًا قصيرًا بعنوان “صوت هند رجب” — فتاة فلسطينية تتحدث في لحظاتها الأخيرة قبل أن تدهسها دبابات الإسرائيلين .
كان صوتها صادقًا كأنه يخرج من قلب الله نفسه.
هنا، انهارت روز بالبكاء، وكتبت في مذكرتها:
“هذا ليس إرهابًا… هذا إيمان. هذا نور وسط جحيم.”
في قاعة الجامعة، كانت روز تجلس إلى جانب صديقتها الألمانية هيلغا، التي قالت لها بابتسامة ساخرة:
“سمعتِ؟ أسطول جديد سيذهب إلى غزة… كلهم مجانين، الإسرائيليون لن يسمحوا لهم بالمرور.”
ردّت روز بهدوء:
“على الأقل… يحاولون أن يكونوا بشرًا.”
ضحكت هيلغا:
“أوه روز، لا تكوني عاطفية! السياسة ليست مشاعر.”
قالت روز، بعينين تشعّان صدقًا:
“لكن العلم هو مشاعر، والإنسانية مشاعر، والحياة بلا رحمة لا تساوي شيئًا.”
بعد أيام قليلة، كانت روز تملأ استمارة التطوع في أسطول الحرية، كطبيبة متطوعة.
لم تخبر أحدًا من أسرتها، سوى والدها الذي قال بصوتٍ حنون عبر الهاتف من مدريد:
“ابنتي، أنا فخور بكِ، لكنني خائف عليكِ. هؤلاء الناس خطرون.”
فقالت:
“بابا، الخطر هو أن نرى الظلم ولا نحرك ساكنًا.”
على متن السفينة..
كانت السفينة تتحرك بهدوء عبر البحر المتوسط، والريح تعصف بالأشرعة البيضاء كأنها تغني نشيد الحرية.
هناك تعرّفت روز على فتاة لبنانية اسمها حوراء، عيونها خضراء تميل إلى العسلي، بشرتها قمحية دافئة، صوتها رقيق كالمطر.
كانت حوراء تصلي كل فجر على سطح السفينة، وذات صباح اقتربت منها روز بخجل:
روز: “أيمكنني أن أجلس إلى جوارك؟”
حوراء (بابتسامة لطيفة): “طبعًا تفضلي . تحبين البحر؟”
روز: “أحبه… لكن صلاتك أجمل من البحر.”
حوراء (تضحك): “لأن الصلاة بحرٌ آخر، لكنه يُوصلكِ إلى الله.”
روز (بفضول): “أنتِ تصلي خمس مرات كل يوم؟ حتى هنا؟”
حوراء: “نعم، فالله لا يغيب عن البحر ولا عن اليابسة.”
تأثرت روز كثيرًا، وصارت تتابع حوراء في صلاتها، تحفظ بعض الكلمات: الله أكبر، الحمد لله، لا إله إلا الله…
وكانت تحدثها و تروي لهما قصصًا عن النبي محمد ﷺ، عن الرحمة والعدل.
قالت روز والدموع في عينيها:
“لو كان هذا هو الإسلام… فقد أحببته قبل أن أؤمن به.“
في فجرٍ مظلم، انقلبت السماء صراخًا.
اقتحمت البحرية الإسرائيلية السفينة، أضواءٌ ساطعة، صرخاتٌ بالعبرية، جنودٌ ملثمون يحملون أسلحة كأنهم في حرب.
صرخت روز وهي ترى أحد المتطوعين يُضرب أمامها:
“اتركه “
لكن الرد جاء برصاصة في الهواء.
أُخذ الجميع مكبلين إلى صحراء النقب.
أرضٌ قاحلة، شمسٌ حارقة، وجوهٌ ذابلة.
وقف بن غفير متبجحًا:
“كل من شارك في هذه المهزلة سيدفع الثمن، ولن نرحم أحدًا!”
وهناك، وسط الرعب، رفعت روز رأسها، وصرخت بصوتٍ مرتجف لكن ثابت:
قالت ل حوراء أن أريد أن أدخل الإسلام.
نظرت إليها حوراء في فرح شديد وقبلتها..
ثم قالت لها عن جد..
قالت روز نعم.
قالت اليوم ميلادك يا روز
ما عليك إلا أن تعرفي أن الإسلام يدعوكي إلي حب كل شيء و نفع كل شيء و خدمته، و انكِ عزيزة كريمة، الله تعالي يحبكِ حين تذهبين بعيداً عنه و ينتظركِ أن تعودي إليه بالتوبة ليقبلكِ.
يمكنكِ أن تدخلي الإسلام، بأن تعلمي أن الله تعالي واحد أحد فرد صمد، ليس له صاحبه ولا ولد، و ما دون ذلك كذب على الله تعالي.
وأن عيسى نبي كل باقي الأنبياء الكرام، و أننا في الإسلام نحبه كما نحب سيدنا محمد.
قولي:
“أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله!”
ساد صمتٌ ثقيل.
تقدّم جنديٌ غاضب يريد أن يضربها، لكن شابًا عربيًا، كان بين المعتقلين، اندفع فجأة أمامها كالسهم، وصرخ بالعبرية:
“لا تلمسوها! إنها امرأةٌ !”
انهالوا عليه ضربًا حتى سقط، لكن قبل أن يسقط، تلاقت عيناه بعينيها — نظرةٌ واحدة لكنها حفرت في قلبها أبد الدهر.
بعد تدخلٍ تركيّ، نُقل المعتقلون إلى إسطنبول.
في المطار، كانت روز تفتش بعينيها عن ذلك الشاب، حتى رأته يُنقل على سريرٍ طبي، جسده مغطى بالضمادات.
ركضت نحوه، لكنها توقفت عند السور الحديدي.
قالت بالإسبانية، والدموع تخنق صوتها
” شكراً لك. لقد أنقذتني.”
ابتسم رغم الألم وقام:
“الشكر لله. مباركٌ إسلامك.”
قالت بعفويةٍ مؤثرة:
“أنا وجدت راحتي التي بحثت عنها طويلاً. لا أدري كيف، لكن قلبي صار مطمئنًا!”
قال:
“الحمد لله الذي هداكِ. من عرف النور لا يعود إلى الظلام.”
ترددت لحظة ثم قالت بخجلٍ:
“أبي ينتظرني خارج المطار… لكنه يريد أن يشكرك أيضًا. هل يمكن أن أراك مرة أخرى؟”
نظر إليها مبتسمًا، وقال بصوتٍ واهن:

