بقلم: أ. سعيد إبراهيم زعلوك
جَلَسَتْ لَيلى عَلَى أَطْرَافِ رُكَامِ بَيْتِهَا الْمُدَمَّرِ، وَالْهَوَاءُ مُشْبَعٌ بِرَائِحَةِ الدُّخَانِ وَالْغُبَارِ، وَأَصْوَاتُ الانْفِجَارَاتِ الْبَعِيدَةِ تَتَرَدَّدُ فِي قَلْبِ الْمَدِينَةِ. الزُّجَاجُ وَالْحِجَارَةُ الْمَبْعُوثَةُ تُحِيطُ بِهَا كَجُدْرَانٍ صَامِتَةٍ، لَكِنَّهَا لَمْ تَشْعُرْ بِالْخَوْفِ… بَلْ بِعَزِيمَةٍ غَرِيبَةٍ.
فَتَحَتْ دَفْتَرَهَا الْمُمَزَّقَ وَكَتَبَتْ لِأَخِيهَا الْمَفْقُودِ:
“أَعْرِفُ أَنَّكَ تَسْمَعُنِي… أُرِيدُكَ أَنْ تَعْلَمَ أَنِّي بِخَيْرٍ، وَسَنَصْمُدُ. سَنَبْنِي حَيَاةً جَدِيدَةً بَيْنَ هَذِهِ الْأَنْقَاضِ، وَنَزْرَعُ الْأَمَلَ فِي كُلِّ زَاوِيَةٍ مُظْلِمَةٍ.”
وَصَلَتِ الرِّسَالَةُ إِلَى صَدِيقِهَا، وَقَرَأَهَا أَمَامَ الْأَطْفَالِ فِي الْحَيِّ. امْتَلَأَتْ أَعْيُنُهُمْ بِالدُّمُوعِ وَالِابْتِسَامَاتِ مَعًا، وَارْتَفَعَتْ ضَحِكَاتُهُمْ بَيْنَ الرُّكَامِ، كَأَنَّ الْأَرْضَ بَدَأَتْ تَتَنَفَّسُ مِنْ جَدِيدٍ.
فِي غَزَّةَ، حَتَّى وَسَطَ الدُّمَارِ، تَنْبُضُ الْحَيَاةُ مِنْ قَلْبِ كُلِّ رُوحٍ لَا تَسْتَسْلِمُ، وَيُولَدُ الْأَمَلُ مِنْ جَدِيدٍ فِي كُلِّ ابْتِسَامَةٍ صَغِيرَةٍ بَيْنَ الْحِجَارَةِ.

