بقلم أ. ناصر أبو أنس
يا غيبوبةَ الدهر، ويا ليلًا تَدلَّى فوقَ الأكتافِ المُجهَدة، من لنا الآن بسليمان؟ من يمتلكُ مفاتيحَ الريحِ ليأمرها بالكفِّ عن العواء، قبل أن تُقيمَ العاصفةُ محاكمها الصمّاء على سقفِ الخيمة؟
ها هنا، حيثُ تتشابكُ خيوطُ الدخان برائحةِ الركام، يقفُ شعبٌ لا يملكُ من الثباتِ إلا قامةَ الدعاء. الأمهاتُ، وهنّ يقاتلنَ النيرانَ بثيابِ الحزنِ الممزقةِ، يُعلّمنَ العالمَ أنَّ القوةَ ليست في السيف، بل في شهقةِ رجاءٍ تنبعُ من قعرِ اليأس. وأطفالُنا، يا ليتهم ينامون، يُحصون أسماءَ الغيمِ الباكي كأنها خريطةُ وطنٍ مسلوب، يخشونَ أن ينطفئَ وهجُه إن انشقّتْ سماؤهم بالخراب.
نبحثُ عن يدٍ عظمى، يدُ نبيٍّ حكيم، تملكُ فكَّ عُقدِ الطوفانِ المستمر، وتجمعُ شتاتَ الليلِ المتفلِّتِ من أطرافِ المدائن، لئلا يبردَ قلبُ المأوى الهشّ، ولا يسكتَ صوتُ الذين أعلنوا للحياةِ أنهم هنا، صامدون، رغمًا عن أنفِ القدر. لقد حملتْ هذه الأضلاعُ أوزارَ أربعةِ فصولٍ من العذابات في مساحةِ قماشٍ واحدة، ولمّا تنحنِ بعد.
يا ربَّ الريحِ العاتية، ألْطُفْ بنا! من لنا اليوم بمن يكتبُ ميثاقَ هدنةٍ سماوية بين الرملِ الذي يبتلعُ آثارَنا، وبين المطرِ الذي يغسلُ دماءَنا؛ بين الغيمِ المُثقلِ بالبكاء، وبين القبورِ التي ضاقتْ بأحبابنا. إنّ قلبَ الأمِّ التي تنبشُ تحتَ الحجرِ بحثًا عن آخرِ عطرٍ لطفلها، يستصرخُ عالمًا أصمَّ وأعمى، لا يدركُ خطورةَ صرخةِ العاصفة ولا يسمعُ خفقانَ قلبٍ يكادُ يموتُ تحتَ الأنقاض.
أيّتها النملةُ الصغيرة في وادي سليمان، انهضي! أطلقي النداءَ الأخيرَ قبلَ أن يشتدَّ هبوبُ الغيابِ الأبدي! لعلّ صدى صوتِكِ يُحرّكُ ساكنًا، فتمتدُّ إلينا يدُ رحمةٍ، أو يُنادى علينا باسمٍ نلوذُ به، أو يأتي نبيٌّ في وجهِ الكارثةِ يصرخُ بالجبالِ الصمّ: “مِيلِي قليلًا، افتحي لنا بابَ مرورٍ نحو الغدِ بسلامٍ وأمان!”
يا رسولًا كريمًا نتمناه، صرخَتُنا في وجهِ الريحِ تظلُّ: “أمّتي! أمّتي!” فلتَكُنِ الرحمةُ هي القولَ الفصل. يا ربَّ ألطُفْ بشعبِ الخيام.


دائما متميزون ومبدعون