بقلم: أ. حسام بدران
متخصص في العلوم السياسية وإدارة الدولة – جامعة النجاح
في السابع عشر من نيسان تتجدد حكاية الألم، إنه يوم الأسير الفلسطيني.
يوم لا يُختزل في مناسبة عابرة، بل يمثل وقفة إنسانية ووطنية نستحضر فيها وجوهًا غابت خلف القضبان، وأصواتًا ما زالت تنادي بالحرية، وأحلامًا مؤجلة تنتظر فجرًا لا بد أن يأتي.
نحو 9,350 أسيرًا وأسيرة يقبعون اليوم داخل 23 سجنًا ومركز توقيف وتحقيق، في واقع يعكس حجم المعاناة اليومية التي يعيشها الأسرى. من بينهم 56 أسيرة، وما لا يقل عن 350 طفلًا حُرموا من طفولتهم، إلى جانب 3,385 معتقلًا إداريًا محتجزين دون تهم أو محاكمة، في انتهاك واضح لأبسط معايير العدالة.
كما يوجد 1,330 أسيرًا محكومًا، و116 أسيرًا محكومًا بالمؤبد، و3,308 أسرى موقوفين لم تصدر بحقهم أحكام بعد، إضافة إلى 1,249 معتقلًا مصنفين كـ”مقاتلين غير شرعيين”، وهو تصنيف يُستخدم لحرمانهم من الحماية القانونية التي يكفلها القانون الدولي. وبين هؤلاء جميعًا، تتفاقم معاناة المرض، حيث يعاني المئات من أمراض مزمنة وخطيرة في ظل إهمال طبي متكرر، وحرمان من أبسط الاحتياجات الإنسانية.
أما الرقم الأشد قسوة، فهو 323 شهيدًا من شهداء الحركة الأسيرة، ممن فقدوا حياتهم نتيجة التعذيب أو الإهمال الطبي أو ظروف الاعتقال القاسية، بحسب آخر إحصائية صادرة عن التقرير الحقوقي الإحصائي الشهري حول أوضاع الأسرى الفلسطينيين للفترة (01 – 31 يناير/كانون الثاني 2026)، والصادر عن المؤسسة الدولية للتضامن مع الأسرى الفلسطينيين.
داخل السجون، لا تتوقف المعاناة عند فقدان الحرية، بل تمتد إلى انتهاكات يومية تمس الكرامة الإنسانية، تشمل العزل الانفرادي، وسوء المعاملة، والحرمان من الزيارة، وصولًا إلى الإهمال الطبي المتعمد. وهي ممارسات تتعارض بشكل واضح مع المواثيق الدولية، وعلى رأسها اتفاقيات جنيف التي تضمن حقوق الأسرى وتحظر التعذيب والمعاملة اللاإنسانية.
ويؤكد الإطار القانوني الدولي أن هذه الممارسات تشكل خرقًا صريحًا لعدد من الاتفاقيات، أبرزها اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، واتفاقية مناهضة التعذيب، واتفاقية حقوق الطفل، إضافة إلى نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية الذي يجرّم التعذيب والحرمان المتعمد من الرعاية الطبية باعتبارهما جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
وفي ظل هذا الواقع، تثير السياسات المتعلقة بتشديد العقوبات، بما فيها ما يُعرف بقانون الإعدام، مخاوف جدية من تصعيد يمس حياة الأسرى بشكل مباشر، ويطرح تساؤلات حول مدى توافق هذه الإجراءات مع القانون الدولي.
ورغم كل ذلك، تبقى إرادة الأسرى حاضرة بقوة. فهم لا يعيشون فقط حالة اعتقال، بل يصنعون معنى الصمود داخل الزنازين، ويحولوّن الألم إلى رسالة، والقيود إلى رمز للكرامة.
ويبقى الأكثر إيلامًا أن بعضهم ينام كل ليلة على وجعٍ لا يهدأ، بين برد الزنازين وغياب الدواء وقلق الغد المجهول، دون أن يسمع صوته أحد كما يجب.
لكن الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها أن هذا الملف لا يواجه بما يكفي من الفعل. فمع مرور الوقت، تتحول معاناة الأسرى عند البعض إلى خبر عابر، رغم أنها قضية إنسانية مستمرة لا تتوقف عند تاريخ محدد.
الأسرى لم يكونوا يومًا أرقامًا، بل قصصًا إنسانية ممتدة، صنعتها التضحيات، ورافقها صبر العائلات، وأثقلتها سنوات الغياب.
إن خطورة الواقع لا تكمن فقط في استمرار الاعتقال، بل في الاعتياد عليه، وفي تحول الألم إلى مشهد متكرر لا يثير الفعل بقدر ما يثير التعاطف المؤقت.
لذلك، فإن المسؤولية لا تقتصر على التوثيق أو التذكر، بل تمتد إلى نقل الحقيقة، وإبقاء القضية حية في الوعي العام، والمطالبة المستمرة بحقوق الأسرى بكل الوسائل القانونية والدبلوماسية الممكنة.
في يومهم، لا يُطلب من العالم أن يحزن فقط، بل أن يتعامل مع القضية كحقيقة حقوقية وإنسانية مستمرة، لا كذكرى سنوية.
فهم لم يكونوا يومًا خارج الزمن… بل هم في قلبه، يكتبون معنى الصمود، ويصنعون من الألم طريقًا نحو الحرية.
