بقلم: أ. رفاعي عنكوش
الضم الزاحف: تحويل الاحتلال العسكري إلى سيطرة مدنية دائمة.
ما يجري خلف كواليس المشهد السياسي في الضفة الغربية ليس مجرد توسع استيطاني اعتيادي. إنها عملية إعادة صياغة شاملة للواقع القانوني والسياسي في الأراضي الفلسطينية المحتلة، تستهدف بشكل مباشر أسس الملكية والإدارة والوجود الفلسطيني نفسه.
هذه العملية، التي تُدار بحنكة وبغطاء بيروقراطي، تمهد الطريق لـ “ضم شامل” صامت، لا يحتاج إلى إعلان رسمي صريح.
الاحتلال الإسرائيلي يضع ثقله الآن خلف مبدأ يوصف بـ “وحدة الطابو”، وهو مفهوم لا يُعنى بتوحيد سجلات الأراضي فحسب، بل بتوحيد القوانين الناظمة للملكية تحت المظلة الإسرائيلية، وإلغاء أي حماية قانونية متبقية للفلسطينيين.
القضاء على الحماية القانونية: إلغاء قوانين التملك الأردنية.
على الصعيد القانوني، تتجلى خطورة الموقف في استهداف الاحتلال للقوانين التي كانت سارية المفعول في الضفة الغربية قبل عام 1967، وعلى رأسها القانون الأردني المنظم لملكية الأراضي. هذا القانون كان يشكل درعاً تاريخياً، حيث كان يمنع بشكل فعال بيع وتسجيل الأراضي لغير الفلسطينيين والاردنيين. إن إلغاء العمل بهذا القانون يمثل خطوة استباقية خطيرة.
إنه لا يفتح الباب فحسب أمام المستوطنين والإسرائيليين لتملك الأراضي بشكل مباشر، بل يجرّد الفلسطينيين من سندهم القانوني الذي ظل قائماً لعقود طويلة، محولاً الأرض إلى سلعة متاحة للمزايدة والاستيلاء غير المقيد.
إنهاء صفة الاحتلال: تحويل الإدارة العسكرية إلى مدنية.
أما على الصعيد الإداري، فالخطوات تجري بخطى ثابتة نحو تصفية صفة الاحتلال العسكري واستبدالها بسلطة مدنية إسرائيلية دائمة. فبدلاً من التعامل مع الضفة الغربية كمنطقة خاضعة لحكم عسكري “مؤقت” بموجب القانون الدولي، يسعى الاحتلال لنقل الصلاحيات الحيوية من الإدارة العسكرية إلى مؤسسات مدنية إسرائيلية خالصة.
هذا النقل للصلاحيات، وما يتبعه من فرض مباشر للقوانين الإسرائيلية، لا يُعد مجرد تغيير في الهيكل البيروقراطي.
إنه يعني عملياً إلغاء صفة الاحتلال وتحويل السيطرة على الأرض والموارد من نظام عسكري مؤقت إلى سيطرة مدنية “دائمة”، ما يرسخ وجوداً إسرائيلياً لا رجعة فيه في نظرهم.
الديمغرافيا: ضم يتجاوز “ج” ويخترق “أ” و “ب” .
إن خطورة هذه الإجراءات تتجاوز حدود المناطق المصنفة “ج” – التي تسيطر عليها إسرائيل بالكامل.
فالعملية تستهدف أراضٍ تقع ضمن مناطق “ب”، بل وتمتد لتطال أراضٍ تخضع إدارياً للسلطة الفلسطينية في مناطق “أ”.
يتم ذلك عبر آليات تسجيل الأراضي وتوسيع المستوطنات وربطها ببعضها البعض ضمن منظومة واحدة، ما يشكل اختراقاً وتلاعباً فعلياً بالتركيبة السكانية والجغرافية للضفة الغربية.
هذا هو جوهر “الضم التدريجي” الفعلي، الذي يتم تطبيقه على الأرض وبأدوات قانونية وإدارية، دون الحاجة إلى إعلان سياسي يُشعل فتيل الأزمة الدولية.
إن ما يحدث اليوم في الضفة الغربية هو محاولة حثيثة لتمزيق النسيج القانوني والاجتماعي، بهدف إنهاء أي إمكانية قيام دولة فلسطينية ذات سيادة. إنها معركة قانونية وإدارية تُشن على الأرض والوجود، لا تقل ضراوة عن أي مواجهة عسكرية.

