بقلم: أ. نضال الخليل
كاتب صحفي
المطر في غزة لا يأتي المطر يُستدعى… تستدعيه الأرض حين تعجز عن حمل ما تراكم فيها من أسماء مكسورة وحين تضيق الذاكرة بما تبقى من الجدران، بصعد المطر من تحت من طبقات لم تُدفن جيدًا من عظام البيوت التي لم تتعلم بعد كيف تموت فينهمر على الأجساد كأنه استجواب مؤجل لا إجابة له، الناجي هنا لا ينجو هو فقط ينتقل من صيغة موت إلى أخرى أقل ضجيجًا.
الجسد الذي أفلت من الرصاصة لم يُفلت من الامتحان هل يستطيع أن يظل جسدًا حين تُسحب منه فكرة الدفء؟
هل يبقى إنسانًا حين يُعاد إلى عريه الأول…. قبل اللغة…. قبل السقف… قبل الوعد؟
الخيمة لا تُقيم الخيمة تُعلق الكائن بين حالتين:
- ليس حيا بما يكفي ليطمئن
- ولا ميتًا بما يكفي ليُغفَر له
قماشها المرتجف لا يحجب المطر لكنه يكشف هشاشة الاتفاق الأخير بين الإنسان والعالم اتفاق لم يُوقع ومع ذلك يُطبق بصرامة:
- لك أن تبقى شرط ألا تطلب شيئًا
الريح لا تمر الريح تعمل تمارس دورها كامتداد غير مرئي لما بدأه الحديد تُكمل الجملة التي تركها الانفجار ناقصة
والبرد ليس طقسًا هو فكرة سياسية بلا خطاب يُدار من دون كاميرات ويُنفذ من دون بيانات شجب
البرد هنا يعرف أين يضع يده ويعرف أن الأطفال هم الحلقة الأضعف في سلسلة الاحتمال
الطفل لا ينام الطفل يتدرب على النوم يقف لأن الأرض مبتلة ولأن البلل فكرة أعمق من الماء
يقف متكئًا على هواء صار أكثر صلابة من العالم ويسأل—لا أحد—إن كانت الطفولة تحتاج سقفًا أم يكفيها أن يُعترف بها السؤال يسقط ككل الأسئلة هنا دون أن يترك أثرًا
الأم تخيط … تخيط لا لأنها تؤمن بالقماش لكن لأنها تؤمن بالحركة تعرف أن المطر سينتصر وأن الإبرة ضعيفة لكنها تُصر على هذا التأجيل الصغير للهزيمة
كل غرزة محاولة لترميم فكرة الأمومة نفسها تلك التي تُجبر على حماية الحياة بوسائل لا تليق بالحياة
الرجل يفرغ الماء من الخيمة يفرغه كما لو كان يفرغ السنوات من صدره … دلوًا بعد دلو حتى يكتشف أن القاع ليس مكانًا بل حالة ذهنية: أن تعرف أن الجهد لا يصل ومع ذلك تواصل في غزة هذا هو تعريف الرجولة المؤقتة.
الأرقام تتكاثر خارج الخيمة تُعد… تُرص … تُعرض
لكن الحقيقة لا تدخل الجداول الحقيقة لا تُحصى لأنها تنظر …. طفل يرتجف … أم تُكمل الخياطة ….رجل يُنقي الماء من بيته كما لو كان ينقي الزمن من جسده. هذه ليست وقائع بل براهين على أن الإنسان لم يُمحَ بعد، أما العالم فهو صمت متقن صمت يعرف كيف يبدو قلقًا لا ينكر بل يُرجئ لا يكذب بل يشرح لا يقتل لكنه يمنح القتل الوقت اللازم ليبدو طبيعيًا العالم هنا لا يخطئ هو فقط يختار الدفء.
في غزة لا يُسأل الناس لماذا لم يستدفئوا السؤال الحقيقي—غير المنطوق—هو:
- لماذا ما زلتم؟
وكأن البقاء نفسه صار تجاوزًا وكأن النجاة خلل إجرائي لم تُصححه السماء.
وهكذا تتعلم غزة فلسفتها القاسية يمكن تجريد الإنسان من البيت…. من الاسم…. من التاريخ وحتى من الحق في موت دافئ لكن ما لا يُجرد هو الشهادة.
الصراخ حتى حين لا يُسمع يظل أعلى أخلاقيًا من هذا الصمت العالمي الذي ينام قريرًا فيما المطر يصعد من الأرض ليواصل الامتحان.

