بقلم: أ. وسيم فارس شعبان
محامي ومهتم بالشأن الفلسطيني
انا محامٍ فلسطيني أشهد يومياً على ألم أطفال غزة
كل يوم أدخل قاعة المحكمة، أرى عيوناً صغيرة مليئة بالحزن والخوف. أطفال فقدوا آباءهم في قصفٍ لم يرحم، وأمهات يبكين في صمت وهن يخشين فقدان حضانة أبنائهن. بعد حربٍ دامت أكثر من عامين وتركت خلفها آلاف الشهداء، أصبحت المحاكم الشرعية في غزة ملاذاً أخيراً لآلاف الأيتام والأرامل، وخط دفاعٍ هشّ عن أضعف المضطهدين: أطفالنا.
ضغط يمزق القلوب
تخيلوا: أكثر من 90 ألف معاملة في عامين فقط. معظمها دموعٌ تحولت إلى أوراق قانونية – إثبات وفيات، حصر ميراث، حضانة، ووصاية. كل قضية خلفها قصة ألم: طفل يسأل عن أبيه الذي لن يعود، أرملة تحارب للحفاظ على أبنائها وسط النزوح والفقر.
المحاكم تنوء تحت ثقلٍ لا يُطاق. قضاة استشهد بعضهم، مقرات دُمرت، فتعمل الآن في خيام أو غرف ضيقة مزدحمة بدموع الناس. الإجراءات تطول، والقلوب تنفطر، لكن القضاة والموظفين يصمدون بصمت بطولي، يفصلون في آلاف القضايا لئلا يضيع حق أحد.
حماية القاصرين: واجب يدمي القلب
في وسط هذا الجحيم، تبقى مصلحة الطفل الجريح نوراً لا ينطفئ. الشريعة الإسلامية تأمرنا بحماية اليتيم، ومحاكمنا تطبق ذلك بكل ما أوتيت من قوة. أرى قضاة يعينون وصياً شرعياً ليحمي مال الطفل من الضياع، يمنعون سفره دون إذن خوفاً من اختطافه أو استغلاله، ينقلون الحضانة إلى الأصلح لكن يحفظون للأم حق رؤية فلذة كبدها.
الحرب لم تقتل الأجساد فقط، بل مزقت النسيج الأسري. نزاعات كانت نائمة استيقظت مع الفقر واليأس، فأصبحت الأم تخاف على أطفالها من أقاربها أنفسهم. لكن المحكمة تصدر حججها السريعة كدرعٍ يحمي هؤلاء الصغار من فقدان ميراثهم، أو إعالتهم، أو حتى طفولتهم.
دور المنظمات الإنسانية: شريان حياة في الظلام
في هذه الأزمة غير المسبوقة، أصبحت المنظمات الإنسانية الدولية والمحلية – مثل الأونروا، اليونيسف، الهلال الأحمر، وجمعيات الإغاثة الإسلامية – شريكاً لا غنى عنه للمحاكم الشرعية. تقدم هذه المنظمات دعماً مباشراً للأيتام والأرامل، من كفالات شهرية ومساعدات غذائية، إلى برامج نفسية تساعد الأطفال على تجاوز الصدمات.
كما تساهم في تسهيل الإجراءات القضائية من خلال توثيق الحالات، تقديم تقارير اجتماعية تساعد القاضي في تحديد “مصلحة الطفل”، ودعم برامج تدريب للقضاة والمحامين. بعضها يموّل إعادة بناء مقرات المحاكم المدمرة أو توفير معدات إلكترونية لتسريع المعاملات. بدون هذا الدعم، لكانت آلاف القضايا معلقة، وآلاف الأطفال عرضة للضياع.
لكن الاحتياج أكبر بكثير مما هو متوفر. التمويل محدود، والوصول محاصر أحياناً، مما يجعل هذه المنظمات تواجه صعوبات جمة في أداء دورها الكامل.
صرخة من القلب
يا من تقرأ هذه الكلمات: هؤلاء الأطفال هم مستقبل غزة. إذا ضاعت حقوقهم اليوم، ضاع مستقبلنا غداً. نحتاج دعماً عاجلاً أكبر – من المنظمات الإنسانية مزيد من التمويل والبرامج، ومن المجتمع الدولي ضغطاً لتسهيل الوصول – إلى جانب تعيين قضاة جدد وإعادة بناء المقرات.
العدالة في غزة ليست أوراقاً قانونية، بل هي دموع طفل يجد من يحميه في عالمٍ لم يرحمه. دعونا لا نترك هذه المحاكم والمنظمات الإنسانية تواجه المصير وحدها، ففي كل قضية تنقذ، وكل مساعدة تقدم، تنقذ روحاً بريئة تستحق أن تعيش بكرامة.


حسبي الله ونعم الوكيل