بقلم: د. أحمد على حماد
شاعر وكاتب مصري، دكتوراة
يا ويحَ أمةٍ كانت منارة الدنيا، فإذا بها اليوم تُطفئ مصابيحها بيدها، ثم تمضي متعثّرةً في دروبٍ لا تعرفها، كأنها تبحث عن شيء لم يضع منها إلا في نفسها.
إنك تراهم الإسلام، ، أو ترى كثيرًا منهم ،، يسيرون إلى الظلام بأقدامٍ ظنّوها تهرب من الجهل، فإذا بها تهرب إلى جهالةٍ أشدُّ وأعمق. يظنون أنهم يفرّون من التخلف، فإذا بهم يأخذون من الغرب أسوأ ما فيه، ويتركون ما فيه من نورٍ وعلمٍ ورقيّ. كأنهم قومٌ خرجوا من الحكمة، فوقعوا في سذاجة المُقلّد، لا يعرفون من الحضارة إلا زخارفها، ولا من التقدم إلا ما يُغلق عيونهم عن أنفسهم.
لقد رأيتُ من أبناء هذه الأمة من يمسكون بيد الغرب كما يمسك الطفل بيد الغريب، لا ليتعلّم منه، بل ليُسلّم إليه قلبه، فيأخذ منه عاداتٍ لا تزيده إلا ضياعًا، وأفكارًا لا تزيده إلا انفصامًا بين ظاهره وباطنه.
يتزيّنون بثقافة ليست لهم، فإذا كل ما اكتسبوه أن خسروا ثقافتهم الأصيلة…
يجرون إلى الحرية، فإذا بهم يتركون حرية الروح ويأخذون حرية الشهوة…
ويبحثون عن الإنسانية، فإذا بإنسانيتهم تُباع في سوق التقليد بأبخس الأثمان.
إنك ترى الواحد منهم يعيش كأن له وجهين:
وجهًا في بلاده، ووجهًا في خياله،
ودينًا في لسانه، ودينًا آخر في هواه.
فهو مسلمٌ إذا وقف في الصفّ، غربيٌّ إذا جلس وحده؛
عربيٌّ حين يتكلم، وأعجميٌّ حين يتصرف؛
يتعلق بالدين حين يطلب بركة، وينساه حين يطلب مصلحة.
ويا ليتهم أخذوا من الغرب علمه، أو أيقظوا في أنفسهم قوة الفكر، أو التزام العمل، أو محاسبة النفس…
لكنهم لم يأخذوا إلا ما يطفئ نور القلوب:
الانحراف الذي لا يشبه حرية،
والشذوذ الذي لا يشبه فطرة،
والعري الذي لا يشبه جمالًا،
والكذب الذي لا يشبه السياسة،
والنفاق الذي لا يشبه الذكاء،
والرشوة التي صارت بابًا أوسع من باب العمل،
والسرقة التي لابستها ألف مسمّى لتبدو شيئًا آخر،
والربا الذي تُقلب صفحته فتجده مرضًا في الضمائر قبل أن يكون رقمًا في المعاملات،
والدياثة التي تخلع عن الرجل رجولته، حتى يصبح كأنه ظلٌّ بلا صاحب.
كأنما هذه المعاصي كلها قد لبست ثيابًا جديدة، فتجمّل قبحُها، واشتدّ أثرها، وصار الناس يمرّون بها فلا يرون أنها ظلمات… بل يرونها حياة!
وإنك لتتعجب: كيف يسير قومٌ وكتاب الله بين أيديهم، ثم يكون طريقهم إلى الظلام لا إلى النور؟
وكيف يغفلون عن أن الله لا يرفع قومًا إلا بصدقهم، ولا يذلّهم إلا حين يتبعون ما يُهلكهم؟
إنَّ أمتنا لا تُهزم من عدوٍّ خارج حدودها بقدر ما تُهزم من عدوٍّ يسكن داخل قلوب أبنائها… من نفوسٍ ضعيفةٍ تتزيّن بالقشور، وتنسى الجوهر، حتى إذا جاءتها الفتنة، جرفتها كما يجرف السيلُ ورقةً ميتة.
يا قوم… إن السير نحو الظلام ليس قَدَرًا، بل اختيار.
والرجوع إلى النور ليس مستحيلًا، بل خطوةٌ واحدة:
خطوة صدقٍ مع النفس،
وخطوة وفاءٍ مع الدين،
وخطوة عزٍّ مع الأخلاق،
ثم خطواتٌ كثيرة تتبعها… فلا يبقى للظلام أثر.
إن الأمة التي أنارت العالم يومًا لا يجوز لها أن ترضى بالدروب المعتمة.
والقلوب التي حملت القرآن لا يليق بها أن تتعلّق بظلال الشهوات.
والجيل الذي يريد نهضة، لا يستطيع أن يُبنى على تقليدٍ أعمى ولا على عادات الغرب في أسوئها.
عودوا إلى أنفسكم… تجدوا طريقكم.
عودوا إلى دينكم… يشرق نوركم.
عودوا إلى أخلاقكم… تقوم أمتكم.
وما خسر قومٌ ساروا إلى الله…
ولكن الخسارة كل الخسارة في كل من سار إلى الظلام وهو يحمل بين يديه مصباحًا مطفأً اسمه الإسلام.


ما شاء الله كلام جميل
فعلا يمثل الواقع