بقلم: أ. بسمة زهير أبو جبارة
كاتبة أدبية
لا أحدَ يحبُّ أن يُصوَّر وجهه حين ينكسر…
لكن في غزّة، الانكسار يُوثَّق لحظة استلام كيس طحين، أو قربة ماء، أو بطانية خفيفة لا تقي برد الشتاء.
في غزة … نقف في طوابير المساعدات لأن الحياة سُرقت منا.
لكنّ العدسات تقترب… وتقترب أكثر مما يجب… كأن الوجع لا يُصدَّق إلا إذا رُصِد بالتصوير.
يقف الرجال والنساء في الصفوف… أكتافهم محمّلة بما هو أثقل من الجوع.
يحاولون حماية ما تبقّى من كرامتهم… لكن الكاميرا تلاحقهم كظلٍ ثقيل… تبحث عن ملامح الانكسار… عن يدٍ ترتجف… عن نظرةٍ محروقة… كأنهم مشاهد معدّة مسبقًا لفيديو “إنسانيّ” سيحصد الإعجابات.
في لحظة استلام المساعدة… هناك من يلتقط صورة… ومن يلتقط روحًا منهكة.
هناك من يرى “مشروعًا للتوثيق”… ومن يعيش واقعًا أكبر من أي عدسة:
أمٌّ تخفي وجهها بيدها… ورجلٌ يحاول أن يرفع رأسه فلا يستطيع… وشابٌ يشعر أن الطابور أثقل من الحرب نفسها.
الغريب أنّ وجعنا أصبح مطاردةً مستمرة… وأن كرامتنا تُعلّق على حبال الكاميرات.
كأن الدعم لا يُقدَّم إلا إذا صاحبه تصوير، وكأن الإنسان هنا لا يستحق المساعدة ما لم يتحوّل إلى مادة مرئية.
ألا يكفي ما فقدوا من بيوتٍ وأحبابٍ وأحلام؟
حتى الكرامة… يريد العالم أن يأخذ منها نصيبًا؟
نحن في غزّة لا نطلب الكثير:
لا نريد أن نُعرض على الشاشات في لحظة ضعف…
لا نريد أن نكون “سيناريو إنساني” يدعو للتفاعل…
ولا نريد أن تتحوّل حاجتنا إلى محتوى.
نريد مساعدةً تصل دون عدسة… وبابًا يُطرق دون تصوير… وقلبًا يفهم أن من يقف في الطابور ليس بحاجة إلى شهرة… بل إلى ستر.
نحن لسنا مشهدًا مؤثرًا… ولا طابورًا يصلح للبث المباشر… ولا أرواحًا تُصفّ على حافة كاميرا.
نحن بشرٌ يحاولون أن يبقوا واقفين… ولو على الركام،
ولو على رمقٍ أخير… ولو على ما تبقّى من الكرامة.

