بقلم: أ. نضال الخليل
كاتب صحفي
على خشبةٍ ضيّقةٍ من ليلٍ مكسور وقف الرجل القادم من تخوم العاصفة كأنّ الريح ربّت على كتفيه حتى انكمش الصوت في صدره وكأنّ الغبار استأنس بملامحه فصار وجهه أطلسًا للغياب كان يمشي في الركام كما يمشي اللاجئ في أضغاث نومه:
-
نصفُ قدمٍ على الأرض ونصفُ قدمٍ في الذاكرة.
غزّة لم تكن مدينةً في نظره كانت امرأةً انتزعت قميصها من قماشة الأرواح وارتدته على عجل ثم خرجت تستقبل المفقودين واحدًا واحدًا
امرأةٌ بألفِ اسم تلوّح لدموعه لتعود إليه وتلسع أمله كلما حاول أن يتعافى
غزّة المتشرّدة في ذاتها التي تمشط رمادها بأصابع من لهب وتربّي في خرائبها صيصانَ الفجر وتقول لمن تبقّى:
-
اقترب… فللدم هنا، ألفُ طريقٍ ليصل إلى نفسه
في تلك الليلة – أو في ذلك اللّيل الذي لا يعترف بساعة – انحنى الرجل نحوها دهسته أسماؤه كلّها وتكوّرت أيامه حول ركبتيه كما تتكوّر القطط في خوفها الأخير وقال لها:
يا غزّة يا امرأةً سقطت من ضلعٍ لم يُخلق بعد هل تسمعينني؟ أم أن الصوت في فمي محضُ طيفٍ يعضّ الهواء؟
غزّة: أسمعك كما أسمع دمي يا ولدي أنتَ لستَ سوى مترٍ من لحمٍ يتيم لكنّ حزنك يتدلّى من السماء كقنديلٍ تائه ما حاجتك للكلام؟
الرجل: لأني لم أعد أملك غيره كلّ أهلي صاروا حصى وكلّ ضوءٍ كان لي صار جلبةً من غبار يريدون ترحيلي يريدون أن ينتزعوا منكِ رئتي وأن يرموا قلبي في صقيع بعيد أقول لهم:
-
كيف يُهجَّر من لا وطن له إلا امرأةً تمشي على قدمين اسمها غزّة؟
غزّة (تضحك ضحكةً من رماد): الترحيل؟ يا هذا أنتَ مُرحَّلٌ قبل القرار ومُهجّرٌ قبل الطريق أنتَ ندبةٌ تمشي وتبحث عمّن يقرأها أنتَ حفرةٌ في قلب السنين وأنا الريح التي لا تُردَم.
الرجل: لكنّي وحيد يا غزّة وحيدٌ كأنّ الله نسي اسمي أحزنُ بأكثر مما يحتمل الحزن وأتعبُ بأكثر مما يرضى الجسد أنتِ… أنتِ وحدكِ بقيتِ أكبر من وطن، أوسع من سماء وأشدُّ غموضًا من نجاة.
غزّة: وهل الوطن إلا امرأةٌ تستقبل هزائمك؟ أنا وطنُكَ الذي يطوي ضلوعه عليك ثم يدفعك إلى الموت وأنتَ تضحك أنا المدينةُ التي إذا أحبّتكَ نزفت وإذا هجرتكَ طاردتكَ في النوم.
الرجل: خذي قلبي يا غزّة خذي الظلّ الذي يركض من ورائي إن جاء القرار، إن حملوني بعيدًا عنكِ فاعلمي أنّي سأظلّ معلّقًا على بابكِ كقميصٍ لم يجفّ لن يصلوا بي إلى منفى لأن منفاي هو أنتِ حين أبتعد.
غزّة: ابقَ ما استطعت لا لأنّ البقاء ينقذك بل لأنّ الرحيل لا يغيّر موتك اجلس هنا في حضني المكسورودَع الخراب يمرّ من فوقك من ينجو منّي لن ينجو من نفسه. حين سكتت سقط الليلُ على كتفي الرجل كأنّه فهم فجأةً أنّ غزّة ليست أمًّا ولا حبيبةً ولا أرضًا بل مصيرًا مصيرًا يلتفّ حول عنقه مثل عقدٍ من نار وهو وهو الذي لم يبقَ له أحد أدرك أنّه لن يُسلّم روحه إلا لها، ولن يكتب سيرته إلا على جدارها ولن ينتظر… إلا عند قدميها.
هكذا، وقف في العتمة رجلٌ واحد بعمرٍ كامل من الفقد يخاطب امرأةً تُدعى غزّة ويعترف:
-
أن أكبر الأوطان… تلك التي تخرّبك وتعيدك طفلًا في اليوم ذاته.
