بقلم: أ. علياء الهواري
كاتبة صحفية، متخصصة في الشأن الفلسطيني والإسرائيلي
في واحدة من أكثر اللحظات حساسية في التاريخ السياسي الإسرائيلي، يعود اسم بنيامين نتنياهو إلى واجهة الجدل العام ليس بصفته رئيساً سابقاً للحكومة وأحد أكثر الشخصيات تأثيراً في المشهد السياسي، بل كمتهم رئيسي في ثلاث قضايا فساد تهزّ أركان المؤسسة الإسرائيلية منذ سنوات. ومع تصاعد الحديث خلال الأيام الماضية عن محاولات نتنياهو التوصل إلى صفقة سياسية–قضائية أو الحصول على عفو رئاسي يمكن أن ينهي محاكمته، شهدت القدس ومدن أخرى حراكًا شعبيًا متزايدًا رفضاً لما وصفه المحتجون بمحاولة “دفن العدالة
تعود قضايا نتنياهو الثلاث _المعروفة إعلامياً بملفات 1000 و2000 و4000_ إلى اتهامات تتراوح بين تلقي هدايا ثمينة من رجال أعمال، والتلاعب بالتغطية الإعلامية مقابل تسهيلات حكومية، وصولاً إلى سوء استخدام المنصب لتحقيق مصالح شخصية. ورغم أن نتنياهو ظلّ يكرر طوال السنوات الماضية أن القضايا “مؤامرة سياسية” تهدف لإقصائه، فقد استمرت التحقيقات والمحاكمة ببطء شديد، لأسباب تتعلق بضغوط سياسية، وتعقيدات قانونية، وظروف أمنية.
ومع كل جلسة جديدة في المحكمة، كانت شعبية نتنياهو تتأرجح بين صعود وهبوط، لكنه حافظ على قاعدة جماهيرية صلبة ترى فيه “زعيمًا لا بديل عنه”، فيما يرى معارضوه أنه يمثل أكبر تهديد لمبدأ سيادة القانون.
وأحداث التي جرت خلال الأيام الأخيرة كشفت تحولًا خطيرًا:
نتنياهو لم يعد يكتفي بالمماطلة داخل أروقة القضاء، بل بدأ فعليًا مسارًا علنيًا لإنهاء قضاياه بالكامل. تسريبات سياسية وتقارير إعلامية تشير إلى أنه يبحث عدة مسارات:
- عفو رئاسي كامل ينهي المحاكمات مقابل خروجه من الحياة السياسية.
- صفقة قضائية مخففة تلغي تهم الرشوة مقابل الاعتراف بتهم أقل.
- تشريعات في الكنيست لتقليص سلطات القضاء أو تغيير المادة القانونية المتعلقة بتضارب المصالح.
ورغم نفيه لهذه الخطط رسميًا، إلا أن المؤشرات السياسية والاستخباراتية تؤكد أن نتنياهو يعمل على “الهروب الكبير” من المحكمة، قبل أن تُصدر ضده أي إدانة رسمية قد تنهي مسيرته نهائيًا.
وما حدث بالأمس كان نقطة تحول. خرج عشرات الإسرائيليين للتظاهر أمام مقر الرئيس في القدس رفضاً لأي فكرة تتعلق بمنح نتنياهو عفوًا. المتظاهرون رفعوا لافتات كتب عليها:
“لا عفو للفاسدين”
“القانون فوق الجميع”
“نتنياهو لن ينجو من المحاكمة”
وتأتي هذه المظاهرات في سياق حراك متصاعد بدأ منذ أسابيع، تقوده منظمات مدنية ترى أن إعفاء نتنياهو من المحاكمة سيُشكّل سابقة خطيرة في تاريخ القضاء الإسرائيلي، وقد يفتح الباب أمام طبقة سياسية محصّنة فوق القانون.
فالقضاة والنيابة العامة يعيشون اليوم تحت ضغط غير مسبوق. فالإجراءات القانونية المعقدة تجعل المحاكمة بطيئة بطبيعتها، لكن التدخلات السياسية ومحاولات تغيير القوانين تفاقم أزمة الثقة العامة.
وتشير تقارير قضائية إلى أن قضية 4000 وحدها قد تفضي إلى عقوبة سجن فعلية إذا ثبُتت تهمة الرشوة مقابل تسهيلات لشركة “بيزك”. وهذا ما يجعل نتنياهو يقاتل بشراسة من أجل منع صدور أي حكم قبل أن يجد مخرجًا سياسيًا.

محاكمة نتياهو
واذا تسائلنا لماذا يخشى نتنياهو الإدانة؟
الإجابة بسيطة:
الإدانة في قضايا فساد تعني نهاية نتنياهو السياسية إلى الأبد.
حتى لو لم يُسجن، فالإدانة الأخلاقية والقضائية ستمنعه من العودة إلى الحكم، وستؤدي إلى تفكك تكتله السياسي، وربما انشقاقات داخل حزب الليكود نفسه. لذلك فإن نتنياهو _برغم عمره السياسي الطويل_ يخوض اليوم “معركة حياته”.
أنصار نتنياهو يصفون ما يحدث بأنه “محاولة انقلاب قضائي”، ويعتبرون أن الإعلام واليسار والنخب القضائية يتضافرون لإسقاط زعيم حقق لإسرائيل “نجاحات دبلوماسية وأمنية غير مسبوقة”.
ويرون أن:
النيابة العامة مسيسة، القضاء متحيز، الدولة العميقة تريد التخلص من نتنياهو.
هذا التقسيم الحاد في تفسير الأحداث أدى إلى استقطاب اجتماعي خطير داخل المجتمع الإسرائيلي، مشابه لمرحلة الاحتجاجات التي سبقت خطة إصلاح القضاء.
أي خطوة من الرئيس تجاه العفو _حتى لو كانت مجرد دراسة_ ستُشعل معركة داخلية. فالرئيس يعرف أن:
العفو قد يدمّر ثقة الجمهور في القضاء، لكن سجن رئيس وزراء سابق قد يشعل الفوضى بين أنصاره.
هذا التوازن الحساس يجعل المؤسسة الرئاسية في مأزق تاريخي غير مسبوق.
ما يحدث الآن ليس مجرد تطور جديد في محاكمة رئيس وزراء سابق، بل هو لحظة فاصلة في تاريخ النظام السياسي الإسرائيلي. فإما أن تنجح المؤسسة القضائية في إتمام محاكمة نتنياهو إلى النهاية، أو ينجح الأخير في تجاوز العدالة عبر صفقة أو عفو أو تغييرات قانونية.
وفي كل الأحوال، سيبقى اسم نتنياهو بغض النظر عن الحكم مرادفًا لأكبر أزمة سياسية وقضائية شهدتها إسرائيل منذ تأسيسها.

