بقلم: د. فرح وائل أكرم أبو سيدو
صيدلانية و مدربة صحة و تنمية بشرية
بين الخبز والحياة في حيٍّ مكدّس على هامش الشوارع المتربة في غزة، جلست أمٌّ على الأرض تُطعم طفلها رغيفًا غُمِسَ بالماء، تحاول إقناعه بأن “الخبز حلو” لأن السكر لم يعد موجودًا في بيتها منذ أيام. في عيني الطفل سؤال صامت: “لماذا لا نشبع؟”، لكن الأم لا تملك جوابًا، سوى صمت يشبه سكينًا على رقبتها، في غزة، سوء التغذية ليس مجرد حالة صحية، بل عنوانٌ كبير لمعركة مع الجوع يُخاض فيها الكفاح اليومي بالصبر والماء والخبز اليابس.
سوء التغذية.. وجه آخر للحصار غزة لا تجوع لأنها فقيرة، بل لأنها محاصَرة. فالطعام موجود على بُعد خطوات من الحدود، لكنه يُمنع من الدخول لأسباب تُسمّى “أمنية”. ما يُسمح بدخوله لا يكفي، وما يُمنع يقتل بصمت. سوء التغذية هنا ليس عرضًا طارئًا، بل نتيجة حتمية لحصارٍ يطحن تفاصيل الحياة، ويجعل الغذاء أداة حرب تُستخدم ضد أجساد الأطفال وأحلام الأمهات.
حين يتحكم المعبر في الجوع معبر كرم أبو سالم، المنفذ التجاري الوحيد للقطاع، بات في الوعي الجمعي الفلسطيني بوابةً للحياة والموت معًا. إغلاقه المتكرر يعني شلل الأسواق، ارتفاع الأسعار، نقص الحليب، اختفاء أدوية التغذية، وتأجيل الشبع لأجل غير مسمّى. فكل مرة يُغلق فيها المعبر، يُغلق معها بابُ أملٍ صغير في بيتٍ ينتظر علبة حليب أو كيس طحين أو عبوة عدس.
الأطفال يدفعون الفاتورة كاملة يقول الأطباء في غزة إن التقزّم، وفقر الدم، وضعف المناعة أصبحت “أمراضًا موسمية” بين الأطفال. في المدارس، بات من الطبيعي أن ترى طالبًا يغفو على الطاولة من شدة التعب، لا لأنه سهر، بل لأنه لم يأكل منذ أمس. تقارير أممية تؤكد أن واحدًا من كل ثلاثة أطفال في غزة يعاني من سوء تغذية حادّ أو مزمن، ومع ذلك، لا يزال العالم ينظر إليهم كأرقام في الجداول.
الغذاء الرديء لا يُشبع ولا يُغذّي في ظل الغلاء ونقص المواد الأساسية، تلجأ العائلات للأطعمة الأرخص: الخبز، الأرز، المعلبات. لا وجود للبروتينات، الفواكه، اللحوم، المكملات، أو حتى الخضار الطازجة بشكل دائم. هذا الغذاء الرديء يؤدي إلى سوء تغذية خفيّ: بطون ممتلئة، لكن أجساد منهكة، وعقول غير قادرة على التركيز. سوء التغذية لا يعني فقط الجوع، بل يعني نقص الحياة من داخل الجسد.
النساء في الواجهة: أجساد منهكة وحليب مفقود ،، الحامل الغزيّة تدخل المستشفى بجسد ناقص الحديد والكالسيوم، وتُغادر بولادة ضعيفة الوزن، وطفل يبدأ حياته على حافة الخطر. أما المرضعات، فكثير منهن لا يملكن ما يكفي من الطعام لإنتاج الحليب. في بعض الحالات، يُخلط الحليب الصناعي بالماء لتكفي العبوة أكثر، والنتيجة: أمعاء تتهالك وأطفال يمرضون بلا مقاومة. إنه فقرٌ في الغذاء، لكنه أيضًا فقر في العدالة الإنسانية.
الزراعة الميتة على قيد الحصار المزارع الغزي، الذي كان يمكن أن يكون مُنقذًا، يُحاصَر هو الآخر. أرضه تُجرف، وماءه يُسمم أحيانًا، وبذوره تُمنع من الوصول إليه. فلا اكتفاء ذاتي، ولا دعم خارجي. والخضار التي تُزرع تُباع بأسعار لا يقدر عليها من يعيشون بلا دخل. وهكذا تُقفل دائرة الغذاء من كل الاتجاهات: لا استيراد، ولا زراعة، ولا قدرة على الشراء.
هل من ضمير يتجاوز الحواجز؟ ليست غزة بحاجة لمساعدات عابرة أو صورٍ تُنشر للتضامن الموسمي. غزة بحاجة إلى فتح المعابر، إلى كسر الحصار، إلى تمكين سكانها من زراعة أرضهم وتوفير غذائهم. الطفل الذي ينام جائعًا ليس مشروعًا إنسانيًا، بل جرس إنذار للعالم. والغذاء لا يجب أن يكون امتيازًا، بل حقًّا.

