بقلم: أ. بسمة زهير أبو جبارة
كاتبة أدبية
ومع أوّل منخفضٍ جوي فقط… انكشف حجم المأساة… فـالبنية التحتية المنهارة لم تصمد أمام ساعات قليلة من المطر، فكيف ستصمد أمام شتاءٍ كامل يلوّح بقسوته من بعيد؟!
تسرّبت المياه إلى الخيام كما لو أنّ المطر يبحث عمّن لم يصبه بعد. تحوّلت الأرض إلى طين، الأغطية إلى كتلٍ مبلّلة، والليل إلى معركة طويلة ضد البرد. الأطفال يرتجفون، يضمّون أيديهم الصغيرة إلى صدورهم طلبًا لدفءٍ لا يأتي، والجميع يحاول حماية ما تبقّى من حياة تحت سقفٍ ينهار مع كل قطرة مطر.
وفي قلب هذا المشهد القاسي يعلو سؤال يشقّ الروح قبل الهواء: إن لم يجد الإنسان الدفءَ في حضن أرضه وبلده… فأين سيجده؟!
الوطن ليس جدرانًا فقط… الوطن حضنٌ وأمانٌ ومكانٌ يصدُّ عنك البرد والمطر، لا أن يتركك تواجههما بغطاءٍ مهترئ وخيمة تميل مع الريح.
مع أوّل منخفض… غرقت الطرق، تعطّلت المجاري، وامتلأت الساحات بالماء، لتصبح الخيام نقاطًا ضعيفة وسط طوفان لا يرحم. فإذا كان هذا ما حدث في بداية الشتاء… فكيف سيكون حين تتوالى العواصف، ويشتدّ البرد، وتتضاعف ساعات المطر فوق هذه الأرض المنهكة؟
ورغم كل شيء، ينهض أهل غزّة كل صباح من الطين والمطر، يرفعون الخيمة من جديد، يجفّفون الأغطية، ويواسون الأطفال بابتسامة تقاوم العاصفة. يقفون في وجه الطبيعة كما وقفوا في وجه كل ما سبقها… بصلابةٍ لا يعرفها إلا مَن حُرم من أبسط حقوقه في بيتٍ دافئ وسقفٍ آمن.
أهل غزّة… الألم لا يكسرهم، والبرد لا يطفئهم، والمطر لا يغرق إرادتهم. ففي عتمة الليل، وتحت الخيام التي تتقاذفها الرياح، يظلّ الناس يردّدون: سنجد الدفء… ما دام في صدورنا وطن لم نتركه، ولن يتركنا.
أين أنتم يا عالم عمّا يحدث هنا؟ كيف يمرّ هذا المشهد أمام أعينكم دون أن تهتزّ فيكم ذرة إنسانية؟!
اللهم أنتَ حسبنا وأنتَ نعم الوكيل…


برودة المطر لن تطفئ نار الإرادة في القلوب التي أبت الانكسار وقوة غزة تكمن في قدرتها على تجسيد الصمود كحقيقة تتجاوز قدرة الطين والبرد و المطر.
يا واسع العطاء، يا من لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء،
نرفع إليك أكفّنا متضرعين لـ أهلنا في غزة، الذين يواجهون ثقل المحن وشدة البرد واكتب لهم النصر والفرج القريب.
كل التقدير أستاذة Basma Zohair