بقلم: أ. علياء الهواري
لم يكن ما جرى في أستراليا مجرد حادث أمني عابر، ولا واقعة معزولة عن السياق الدولي، بل حلقة جديدة في سلسلة طويلة تُعاد فيها صياغة الحدث قبل أن يُفهم، ويُحكم عليه قبل أن يُناقش.
فبمجرد الإعلان عن سقوط ضحايا يهود، انطلقت ماكينة السياسة والإعلام معًا: إدانات عاجلة، خطابات جاهزة، واستدعاء فوري لمصطلح “معاداة السامية”، وكأن التفسير الوحيد الممكن هو الكراهية الدينية، لا الواقع السياسي المحتقن، ولا السياق العالمي المشحون بما يجري في فلسطين.
لا أحد يدافع عن قتل المدنيين، ولا عن استهداف الأبرياء في أي مكان من العالم، لكن الإشكال الحقيقي لا يكمن في إدانة الجريمة، بل في الطريقة الانتقائية التي يُصاغ بها الخطاب، وفي التحول السريع من حادث جنائي إلى منصة سياسية تُستخدم لإعادة إنتاج رواية بعينها، وتكميم أفواه روايات أخرى.
السؤال الذي يجب أن يُطرح ليس فقط: ماذا حدث في أستراليا؟
بل: كيف يُستخدم ما حدث؟ ولمصلحة من؟
منذ بدء الحرب على غزة، والعالم الغربي يعيش حالة توتر أخلاقي غير مسبوقة. صور القصف، الأطفال تحت الأنقاض، المستشفيات المحاصرة، الخيام التي تبتلعها الأمطار والبرد، كلها كسرت – ولو جزئيًا – الصورة التي طالما سعت إسرائيل وحلفاؤها لترسيخها: صورة “الدولة الديمقراطية التي تدافع عن نفسها”.
وأمام هذا الانكشاف، أصبحت أي حادثة تقع خارج فلسطين فرصة لإعادة ضبط المشهد، وإعادة توجيه البوصلة من الجريمة الأصلية إلى قضايا جانبية تُخدم الرواية الكبرى.
في هذا السياق، لا يُنظر إلى اليهودي كفرد، بل كرمز سياسي.
رمز يُستدعى عند الحاجة، وتُحمّل معاناته – الحقيقية أو المفترضة – ما لا تحتمله، ليُعاد تبييض سياسات الاحتلال، وتُبرَّر آلة القتل، ويُعاد تعريف الضحية والجلاد.
الإعلام الغربي، في تعامله مع ما جرى في أستراليا، لم يسأل عن الخلفيات السياسية، ولا عن المناخ الدولي المشحون، ولا عن علاقة ما يحدث في الغرب بما يحدث في الشرق.
بل قفز مباشرة إلى الاستنتاج: “هجوم معادٍ للسامية”.
وهنا تكمن الخطورة، لأن هذا الوصف لا يُستخدم فقط للتوصيف، بل للتجريم، ولإغلاق أي نقاش، ولربط أي نقد لإسرائيل تلقائيًا بالكراهية الدينية.
في المقابل، حين يُقتل الفلسطيني، لا تُطرح الأسئلة ذاتها.
لا تُستدعى القيم نفسها، ولا تُعقد المؤتمرات، ولا تُفرض الخطوط الحمراء.
بل يُختصر المشهد في أرقام، أو في عبارات تقنية باردة: “سقط عدد من القتلى”، “حدث قصف”، اندلعت اشتباكات الفارق هنا ليس في الدم، بل في القيمة السياسية للدم.
ما يحدث في أستراليا يُعامل كقضية عالمية، وما يحدث في غزة يُعامل كحدث محلي، رغم أن غزة باتت اليوم مركز اختبار حقيقي للنظام الدولي، ولمصداقية شعارات حقوق الإنسان، ولجدوى القانون الدولي ذاته.
الأخطر من ذلك، أن الحوادث التي تطال يهودًا في الغرب تُستخدم لتوسيع مساحة القمع السياسي.
يُجرَّم التضامن مع فلسطين، تُقمع المظاهرات، تُلغى الندوات، يُفصل الأكاديميون، ويُشيطن الصحفيون، تحت ذريعة “مكافحة الكراهية”.
وهكذا، يتحول الخوف على اليهود – وهو خوف مشروع في سياقه الإنساني – إلى أداة لإسكات أي صوت ناقد لإسرائيل.
وهنا يجب التفريق بوضوح:
نحن لا نتحدث عن اليهود كجماعة دينية، بل عن تسييس الهوية اليهودية لخدمة مشروع استعماري.
نحن لا نرفض إدانة العنف، بل نرفض حصر العنف في اتجاه واحد، وتجاهل عنف الدولة المنظم، الذي يمارس يوميًا وبغطاء قانوني وسياسي.
ما يحدث في أستراليا يجب أن يُدان بوصفه اعتداءً على مدنيين، لا بوصفه مادة لإعادة إنتاج خطاب الهيمنة.
ويجب أن يُناقش في سياقه الأمني والسياسي، لا أن يُستخدم كدليل إضافي على “خطر” كل من يعارض إسرائيل.
إن الإصرار على اختزال كل حادث إلى “معاداة السامية” لا يخدم اليهود أنفسهم، بل يحولهم إلى دروع بشرية في معركة سياسية، ويزيد من عزلتهم، ويغلق الباب أمام نقاش عقلاني حول جذور العنف في العالم.
العنف لا يولد من فراغ.
والعالم الذي يتغاضى عن الإبادة، ويتجاهل الحصار، ويبرر الاحتلال، لا يملك رفاهية الادعاء بالبراءة حين ترتد بعض نتائج هذا الظلم عليه.
إن كانت أستراليا تريد العدالة، فعليها أن تطلبها للجميع.
وإن كان الغرب صادقًا في دفاعه عن القيم، فعليه أن يطبقها بلا استثناء.
وإن كان الدم اليهودي يستحق الحماية، فالدم الفلسطيني يستحق الحياة أولًا.
العدالة ليست انتقائية.
والتعاطف ليس حكرًا على هوية.
ومن يطالب العالم بالبكاء على ضحاياه، عليه أولًا أن يتوقف عن صناعة الضحايا في أماكن أخرى.
