بقلم:أ. علي محمود أبو علي
باحث في العلاقات الدولية والدبلوماسية
لم ينزع ملابسه العسكرية طوال حياته؛ ظل متمسّكًا بسلاحه الشخصي في كل المحافل.
كان أيقونة لكل فلسطيني، بل أيقونة فلسطين لكل العالم.
صورته لا تدلّ إلا على النضال والكفاح بكل أدواته ضد هذا الاحتلال.
واجه الاحتلال على سنين حياته؛ حُوصر وقُطِع، وكان شعاره: يريدونني أسيرًا أو طريدًا أو قتيلاً _ هو قال لهم: شهيدًا، شهيدًا، شهيدًا.
وكأن كلماته الخالدة وصية بعدم التنازل وعلى الاستمرار في الكفاح.
أمسك في يده غصن زيتون دليلًا على الاستعداد للسلام، وممسكًا في يده الأخرى السلاح كخيار لا يقبل التنازل عنه؛ كفّان لمِيزان لا يقبل الترجيح.
ويأتي الآن من يحاول تجريم العمل المقاوم لاحتلال يبطش ويسرق ويجرف تاريخنا طوال أكثر من 77 عامًا.
فيردّد رواية الانبطاح في أحضان من مدّوا الاحتلال بمليارات الدولارات وجميع الأسلحة النوعية، فيندّد بقتل واختطاف الأعداء، ويتباكى على معاداة السامية، ويريد دولة وهمية بلا حدود منزوعة السلاح، ويتغافل عن أكثر من 68 ألف شهيد وأكثر من 11 ألف مفقود في هذه الإبادة الممنهجة، ناهيك عن تدمير 90% من قطاع غزة.
والمشكلة أن البعض يعتقد أن الارتماء في أحضان أمريكا وإسرائيل هو سبيل النجاة.
من الرمز إلى الكيان: قراءة في تجربة منظمة التحرير الفلسطينية
حين نقرأ تجربة منظمة التحرير الفلسطينية في الممارسة الدولية، نرى لوحة معقّدة مليئة بالإنجازات العظيمة والأخطاء المؤلمة، وتناقضات واقعية بين الحلم والثمن.
إيجابيًا، لا شك أن المنظمة مثّلت إنجازًا وطنيًا هائلًا لشعب كان مشتّتًا بلا دولة ولا هوية سياسية.
هي التي انتزعت أول اعتراف رسمي في العالم بوجود الشعب الفلسطيني وحقه في تقرير مصيره، وهي التي نقلت القضية من إطار “اللاجئين” إلى “قضية تحرر وطني”، وهي التي فتحت الأبواب أمام الأمم المتحدة والمنظمات الدولية حتى يسمعوا صوت فلسطين.
وخلقت دبلوماسية فريدة من نوعها: دبلوماسية من تحت الركام، كان سلاحها الكلمة بدل الدبابة، والمنبر بدل الحدود.
لكن في الوقت نفسه، هناك إشكاليات كبيرة لا يمكن تجاهلها.
المنظمة مع الوقت واجهت أزمة بنيوية في التفكير الاستراتيجي؛ أحيانًا غلبت فيها السياسة على المقاومة، وأحيانًا البندقية على العقل السياسي.
تقلّبت بين خطاب الثورة وخطاب الدولة، بين المبدأ والبراغماتية، بين السقف العالي للأهداف والواقع الصعب للمفاوضات.
غياب التخطيط الطويل، والمهنية المحدودة في السلك الدبلوماسي، والبيروقراطية التي تراكمت مع الزمن، كلها نقاط ضعف انعكست لاحقًا على الأداء السياسي والميداني.
ومع مرور الوقت، خاصة بعد اتفاق أوسلو، صارت المنظمة في نظر كثير من الفلسطينيين رمزًا بلا روح، تحوّلت من إطار جامع إلى مؤسسة بيروقراطية مقيّدة بالالتزامات الدولية أكثر من تطلعات شعبها.
لكن رغم ذلك، تبقى المنظمة _بكل ما لها وما عليها _ البيت السياسي الجامع، الإطار الباقي الذي يحمل الشرعية التاريخية والقانونية للفلسطينيين في كل المحافل.
بين المقاومة والرواية: من يملك حق التمثيل؟
علينا أن نحاسب أنفسنا جيدًا قبل أن نلقي فساد حياتنا على غيرنا، وبدل أن نلوم المقاومة أو نجرّمها، يجب أن نجرّم هذا الاحتلال الذي أذاقنا المجازر والقتل الممنهج طوال هذه السنين، بل علينا أن نتمسك بروايتنا التي أصبحت قوية نستطيع أن ننتزع بها حقوقًا اعترفت بها أغلب الدول الأوروبية، رواية أصحاب الأرض والحق المسلوب.
لا تخلطوا المفاهيم ولا تردّدوا روايات لا يروج لها إلا الصهيوني على لسان — للأسف — من هم من جلدتنا ويسمّون أنفسهم مفكرين.
أين هؤلاء وماذا قدموا لنا طوال 77 عامًا؟
لم نرَ منهم مفكرًا يقترح حلولًا وحدوية او جامعة.
أسئلة المرحلة ومآلات المستقبل
وسؤالي: ماذا بعد تجريد المنطقة من السلاح الذي يؤرق الصهاينة؟
ماذا سيكون لو حُلّت جميع الفصائل التي تتبنّى الفكر المقاوم؟
هل ستكون هذه الجيوش الوليدة لحماية الحدود أم لتأمين شعوبها من النهوض مرة أخرى ضد عدوّها الأزلي؟
أليست هذه الجيوش والمؤسّسات الأمنية _طوال تاريخها _ لم نجدها سوى لتبطش بسلطتها وجبروتها على شعوبها لحماية عروشها وكأنها مندوب سامٍ ولكن بعباءة عربية؟
ويبقى السؤال مفتوحًا أمامنا كجيل أكاديمي فلسطيني:
هل سنكون الجيل الذي يعيد للدبلوماسية الفلسطينية معناها الحقيقي كجزء من مشروع التحرر الوطني؟
أم سنكتفي بتكرار التجربة دون تصحيح مسارها؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة لا تكمن في الخطابات ولا في تكرار الشعارات، بل في بناء وعي وطني عميق يعيد للدبلوماسية الفلسطينية دورها الطبيعي كأداة من أدوات المقاومة،لا كمنصة بروتوكولية تُفرغ النضال من جوهره.
فما بين الغصن والسلاح، تبقى فلسطين القضية التي لا تموت، والحق الذي لا يُساوَم عليه.

