بقلم: أ. هناء الشبراوي
كاتبة وروائية – فلسطين
في غزة، لا يبدأ صباح الطفل بالسؤال عن لعبته المفضّلة، ولا عن فطور ما قبل المدرسة، ولا عن وجبة الغداء التي ينتظرها بشغف.
للأسف، لا هذا ولا ذاك.
يبدأ صباحه بسؤالٍ أثقل من عمره:
هل نحتاج اليوم إلى تعبئة الماء؟
هل سنقف في طابور التكيّة؟
تجيبه الأمّ البائسة:
نعم… ونحتاج أيضًا إلى كراتين وأوراق وخشب لإشعال النار.
مالذي حدث ويحدث لأطفالنا ؟؟
لقد جُرِّد الطفل الغزّي من طفولته.
فقد شغفه بالحياة، وسُلب حقّه في الاختيار.
اختياره الوحيد أن يبحث عن ركنٍ في الخيمة
يمنحه وهم الأمان ليلهو قليلًا…
لكن هيهات، فصوت القصف يباغته، فتتلاشى لحظة الطمأنينة، ويُلغى الإحساس بالأمن.
هكذا تُؤجَّل الطفولة مرةً بعد مرة.
أطفال غزة يكبرون بسرعة لا تليق بهم،
سرعة سرقت أحلامهم وأمنياتهم،
في وقتٍ كان يفترض أن يتعلّموا فيه في المدارس،
ويشاركوا في المسابقات،
وينخرطوا في الأنشطة والفعاليات اللامنهجية.
بدلًا من ذلك،
أصبحوا خبراء في أسماء الطائرات،
يميزون أنواع القذائف من أصواتها.
لقد سرقت الحرب منهم مفاهيم الحياة الهادئة، والروتين الطبيعي لأي طفل في العالم.
صار هاجس الخوف يلاحقهم،
وتداهم الكوابيس عقولهم الصغيرة
التي لم تعد تحتمل هذا الكمّ من الضغط
في هذا العمر الغضّ.
ومع ذلك…
سُنّة الحياة أن تمضي،
والطفل يتوق دومًا إلى الفرح.
نرى أطفالنا ينتزعون السعادة من بين الألم:
منهم من يرسم،
ويعبّر عن واقعٍ أليم
سُرق منه البيت والراحة والأمان.
ومنهم من يحتضن لعبته
كأنها وطنٌ صغير،
وملاذٌ أخير.
ومنهم من يجري سباقًا في ممرّات المخيّم،
ومنهم من امتلك الشجاعة
ليروي ما حدث معه
أو مع أقاربه وجيرانه.
الطفل الغزّي لا يطلب المستحيل،
إنه يطلب فقط أن يكون طفلًا.
الطفولة في غزة لم تمت،
لكنها مؤجَّلة.
ورسالة أطفال غزة واضحة:
نريد مدارس لا ملاجئ.
نريد سماع أناشيد الطفولة
لا أصوات القذائف.
نريد أن نحيا كما نحبّ،
لا كما تُفرض علينا حياةٌ ظالمة.
ليس مطلوبًا من العالم أن يشفق على الطفل الغزّي،
بل أن يعي حقيقة أعمق من الشفقة:
الطفل الذي يُحرَم من طفولته اليوم،
سيفقد غدًا جزءًا من إنسانيته.
وإن إنقاذ أطفال غزة
هو إنقاذ لوجهٍ من وجوه الإنسانية كلّها.
لقد أُجبر أطفال غزة
أن يكونوا أقسى على أعمارهم،
كبروا في غير أوانهم،
لكن رغم كلّ شيء…
لا يزال في عيونهم سؤال
ينتظر جوابًا عادلًا:
متى يأتي دورنا
لنعيش طفولتنا…
دون تأجيل؟

