بقلم: أ. خالد إبراهيم رباح
أكاديمي وكاتب
في غزة، لا تُقاس أعمار الأطفال بعدد السنوات، بل بعدد الخسارات. هناك، حيث تتجاور أصوات الانفجارات مع صرخات الباعة الصغار، تنمو الطفولة على عجل، وتُدفن الألعاب تحت ركام البيوت. لم يعد العمل بالنسبة لكثير من الأطفال تجربة عابرة أو مساعدة بسيطة للعائلة، بل صار قدرًا قاسيًا فُرض عليهم حين اختفى المعيل، أو تهدّم المنزل، أو ضاقت الخيام بما فيها من جوع وقلق.
الحرب لا تقتل البشر فقط؛
إنها تقتل المراحل العمرية. فالطفل الذي كان ينبغي أن يحمل حقيبته المدرسية صار يحمل صندوق مناديل أو سلة خبز، والطفلة التي كان يفترض أن تحفظ أناشيد الصباح صارت تحفظ أسعار السلع وأسماء الزبائن. في الشوارع والأسواق ترى وجوهًا صغيرة تحمل ملامح الكبار: نظرات حذرة، خطوات متعبة، وصمت أثقل من أعمارهم.
لكن المأساة هنا لا تُروى بالحكايات وحدها، بل بالأرقام أيضًا. تشير تقارير إنسانية حديثة إلى أن نحو 1.1 مليون طفل بحاجة إلى خدمات حماية ودعم نفسي نتيجة آثار الحرب، وأن واحدة من كل أربع عائلات اضطرت لإرسال أطفالها إلى أعمال خطرة أو استغلالية بسبب الضائقة الاقتصادية. هذه ليست نسبًا جامدة؛ إنها دليل على أن العمل لم يعد حالة فردية، بل صار آلية بقاء جماعية.
ومع النزوح الواسع الذي شمل معظم السكان، تفاقمت المأساة أكثر. ملايين فقدوا مصادر رزقهم، فصار الأطفال خط الدفاع الأخير ضد الجوع. يعملون في بيع الماء، جمع البلاستيك، مساعدة الباعة، أو أي عمل يدرّ قروشًا قليلة تُسند بيوتًا كاملة. وما يبدو للمارة مشهدًا عاديًا — طفل ينادي على بضاعته — هو في الحقيقة نهاية سلسلة طويلة من الخسارات بدأت يوم سقط أول صاروخ قرب بيته.
الأرقام تكشف عمق الجرح:
تقارير حقوقية تشير إلى أن عمالة الأطفال ارتفعت بنحو 80٪ منذ تصاعد العمليات العسكرية، وأن القطاع يضم نحو 39 ألف طفل يتيم، بينهم آلاف فقدوا الوالدين معًا. اليُتم هنا ليس قصة فردية، بل ظاهرة جماعية تدفع أطفالًا كثيرين إلى العمل لإعالة إخوتهم الصغار بدل أن يجدوا من يعيلهم.
ولا تقف المأساة عند الاقتصاد. فالدراسات النفسية الميدانية أظهرت أن غالبية الأطفال يعيشون شعورًا دائمًا بقرب الموت، وأن نسبًا كبيرة تعاني كوابيس واضطرابات سلوكية نتيجة الصدمات. كما أن آلاف الأطفال انفصلوا عن عائلاتهم خلال الحرب، وهو عامل يزيد خطر استغلالهم في العمل القسري أو الخطير. وفي ظل نقص الغذاء، يُتوقع أن يحتاج عشرات الآلاف من الأطفال علاجًا من سوء التغذية الحاد، وهو خطر يهدد نموهم الجسدي والعقلي معًا.
قبل سنوات، كانت عمالة الأطفال موجودة لكنها محدودة نسبيًا؛ إذ لم تتجاوز نسبة العاملين من الفئة العمرية 10–17 أعوام بضعة في المئة. أما اليوم، فقد تحولت من ظاهرة هامشية إلى واقع متسارع، لأن كل الأسباب التي تولّدها تضاعفت: الفقر، البطالة، فقدان المعيل، انهيار المدارس، والنزوح المستمر.
المأساة الأعمق ليست في العمل ذاته، بل في الثمن النفسي الذي يدفعه هؤلاء الصغار. فالطفل العامل لا يخسر تعليمه فقط، بل يخسر شعوره بالأمان، وإحساسه بأن العالم مكان عادل. يتعلم مبكرًا أن الحياة ليست ملعبًا بل ساحة صراع، وأن البقاء يتطلب يقظة دائمة. وهكذا تكبر أجسادهم قبل أن تكبر أرواحهم، ويشيخ القلب قبل أوانه.
ورغم ذلك، يحتفظ أطفال غزة بشيء لا تستطيع الحرب مصادرته: القدرة على الابتسام. يبتسمون وهم يبيعون، وهم ينتظرون، وهم يحلمون. تلك الابتسامة ليست دليل راحة، بل شكل من أشكال المقاومة الصامتة؛ إعلان صغير بأن الطفولة، وإن حوصرت، لا تستسلم بسهولة.
إن عمالة الأطفال هنا ليست مجرد قضية اجتماعية، بل جرح إنساني مفتوح. فحين تطول الحرب، لا تسرق الأرواح فقط، بل تسرق المستقبل من أصحابه قبل أن يصلوا إليه. والطفل الذي يُجبر على العمل اليوم، لا يخسر يومه فحسب… بل يخسر غده أيضًا.

