بقلم: أ. علياء الهواري
صحفية متخصصة في الشأن الفلسطيني الاسرائيلي
دخلت إيران في مرحلة حرجة من تاريخها المعاصر، حيث تتصاعد الاحتجاجات الشعبية بشكل غير مسبوق في شوارع طهران وعدد من المدن الكبرى. هذه الاحتجاجات، التي بدأت أواخر ديسمبر 2025، جاءت بعد سنوات من الضغوط الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، لتضع النظام الإيراني تحت اختبار داخلي وخارجي في الوقت نفسه. وفي خضم هذه الأزمة، أصدرت إيران تحذيرات شديدة اللهجة للولايات المتحدة، مؤكدة أن أي هجوم محتمل سيقابل برد حازم يستهدف إسرائيل والقواعد الأميركية في المنطقة. هذه التطورات دفعت إسرائيل إلى إعلان حالة تأهب قصوى، بينما يراقب العالم تحركات النظام الإيراني والمجتمع الدولي عن كثب.
بدأت الاحتجاجات في إيران كرد فعل على الأوضاع الاقتصادية المتدهورة، وارتفاع معدل البطالة، وانخفاض القوة الشرائية للمواطنين. ومع مرور الوقت، تحولت هذه المظاهرات إلى مطالب سياسية أوسع تشمل رفض سياسات النظام القمعية، والمطالبة بإصلاحات ديمقراطية، وحرية التعبير.
تزامن ذلك مع تقارير عن انشقاقات في صفوف أجهزة الأمن الإيرانية، حيث رفض بعض الجنود والشرطة الانخراط في مواجهة المتظاهرين العزل، مما أعطى الاحتجاجات زخماً إضافياً.
المحللون يشيرون إلى أن هذه الاحتجاجات ليست مجرد حدث داخلي، بل هي تحدٍ مباشر لسلطة المرشد الأعلى الإيراني، الذي حاول طمأنة الرأي العام بوعود بالإصلاح، لكنه في الوقت نفسه لوح بتصعيد الإجراءات الأمنية، ما يخلق حالة من عدم اليقين داخل البلاد.
في 11 يناير 2026، أصدرت إيران تحذيراً شديد اللهجة إلى الولايات المتحدة، مؤكدة أن أي هجوم أميركي سيقابل برد انتقامي يستهدف إسرائيل والقواعد الأميركية في المنطقة. هذا التحذير جاء في أعقاب تصاعد التوترات الإقليمية، وخشية النظام الإيراني من أن تستغل القوى الخارجية الاضطرابات الداخلية لتحقيق أهداف سياسية وعسكرية.
من جانبها، أعلنت إسرائيل أنها على حالة تأهب قصوى، خشية أن تتحول الاحتجاجات في إيران إلى فرصة لتدخل أميركي أو أي عمل عسكري محتمل. هذه الخطوات عززت المخاوف من تصعيد إقليمي قد يؤدي إلى مواجهة مباشرة بين القوى الكبرى في المنطقة.
ترامب، في تصريحات سابقة، هدد بالتدخل إذا ما تجاوزت الأزمة الإيرانية حدود السيطرة المحلية، وهو ما أعطى الاحتجاجات أبعاداً دولية إضافية. إدارة ترامب ترى أن الاستقرار في إيران مرتبط بشكل مباشر بالأمن الإسرائيلي واستراتيجياتها في الشرق الأوسط، ما يجعل أي تطور داخلي في طهران ذا أثر فوري على المنطقة بأكملها.
انعكاسات الاحتجاجات على الداخل الإيراني
الاحتجاجات أسفرت عن شلل جزئي في حركة المدن الكبرى، وإغلاق بعض المدارس والشركات، وتأخير المشاريع الحكومية. كما أدت إلى زيادة القمع الأمني واعتقال مئات المواطنين، مما أثار ردود فعل دولية وانتقادات حقوقية. هذه الأحداث كشفت هشاشة بعض مؤسسات الدولة وقدرتها على إدارة الأزمات الداخلية.
التحليلات السياسية تشير إلى عدة سيناريوهات محتملة:
تراجع النظام واستجابة للإصلاحات: يمكن أن يؤدي الضغط الشعبي الداخلي، إلى جانب الضغوط الدولية، إلى بعض التنازلات الإصلاحية، لكن هذه التنازلات قد تكون محدودة.
تصعيد القمع: هناك احتمال أن يختار النظام الخيار الأمني الكامل، مع تصاعد العنف ضد المتظاهرين، مما قد يؤدي إلى انفجار اجتماعي أكبر.
تأثير إقليمي: أي تصعيد داخلي قد يمتد ليشمل تهديدات على الحدود الإسرائيلية، وزيادة تدخل الولايات المتحدة في المنطقة، وبالتالي تعزيز حالة عدم الاستقرار الإقليمي.
البعد الإقليمي والدولي.
الأزمة الإيرانية الحالية لها تأثيرات مباشرة على الأمن الإقليمي:
إسرائيل على أهبة الاستعداد لأي تهديد محتمل.
الولايات المتحدة تراقب الأحداث عن كثب، وتدرس خياراتها العسكرية والدبلوماسية.
دول الجوار، بما فيها مصر وتركيا، تراقب التطورات لتقييم تأثيرها على الأمن القومي والسياسات الاقتصادية.
بالإضافة إلى ذلك، هذه الأحداث تسلط الضوء على تعقيدات السياسة الإيرانية، التي تجمع بين عنصر القوة العسكرية الداخلية والخارجية، وبين الضغط الشعبي والمطالبات بالإصلاح السياسي.
أجمع محللون سياسيون أن الاحتجاجات الإيرانية تمثل نقطة فاصلة في العلاقة بين الشعب والنظام، وأن أي تحرك عسكري أو تدخل خارجي قد يزيد الوضع تعقيداً. بعض المراقبين يشيرون إلى أن الانقسام بين الحرس الثوري والشرطة قد يكون نقطة ضعف كبيرة للنظام، في حين يرى آخرون أن إيران قد تستخدم كل أدواتها للسيطرة على المظاهرات
إيران اليوم تواجه اختباراً غير مسبوق في تاريخها الحديث: موازنة بين الاحتجاجات الشعبية المتصاعدة والتهديدات العسكرية الخارجية. التطورات الأخيرة تظهر أن النظام الإيراني مضطر للتعامل مع ضغط مزدوج داخلي وخارجي، وأن أي خطوة خاطئة قد تؤدي إلى تداعيات إقليمية خطيرة. في الوقت نفسه، فإن العالم يراقب عن كثب، مع إدراك أن الاستقرار في إيران مرتبط مباشرة بأمن الشرق الأوسط ككل، وأن أي تصعيد قد يكون له تبعات واسعة على دول المنطقة، بما فيها مصر، إسرائيل، الولايات المتحدة، ودول الخليج.

