بقلم: أ. حسن علي الحايك
محامي وناشط شبابي
شهدت غزة خلال السنوات الأخيرة موجات متكررة من الحروب والاعتداءات الإسرائيلية التي خلّفت مئات الشهداء وآلاف الجرحى، معظمهم من المدنيين، وألحقت دماراً هائلاً بالبنية التحتية في القطاع المحاصر. في كل مرة، كان المجتمع الدولي يُسارع بإصدار بيانات الإدانة والدعوة إلى التهدئة، إلا أن هذه المواقف غالباً ما تفتقر إلى خطوات عملية، ما يدفع للتساؤل حول مدى جدّية وفعالية هذه الإدانات، وهل هي تعبير حقيقي عن موقف إنساني، أم مجرد “دبلوماسية صامتة” تهدف لاحتواء الغضب الشعبي؟
أولاً: الولايات المتحدة والدعم غير المشروط
تُعد الولايات المتحدة من أبرز حلفاء إسرائيل، حيث توفر لها دعماً عسكرياً وسياسياً واسعاً. وفي كل حرب على غزة، تُكرر واشنطن موقفها الثابت المتمثل في “حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها”، دون التطرق إلى طبيعة الانتهاكات التي تقع بحق المدنيين. كما تعرقل باستمرار أي قرارات تصدر عن مجلس الأمن تُدين العدوان، باستخدامها المتكرر لحق النقض (الفيتو)، مما يعكس ازدواجية واضحة في المعايير.
ثانيا:ً الاتحاد الأوروبي والمواقف المترددة
أما الاتحاد الأوروبي، فيُصدر بيانات يُظهر فيها نوعاً من التوازن، حيث يدعو إلى وقف العنف من “كلا الطرفين”، مع التأكيد على أهمية حماية المدنيين. لكن هذه البيانات لا تترافق غالباً مع إجراءات حقيقية مثل فرض عقوبات أو تعليق الاتفاقيات مع إسرائيل، مما يجعلها بلا تأثير فعلي. ويعود هذا الموقف الحذر إلى رغبة الاتحاد في الحفاظ على علاقاته الاقتصادية والدبلوماسية مع الطرفين.
ثالثا:ً المنظمات الدولية والتصريحات المكررة
تلعب الأمم المتحدة دوراً محورياً في توثيق الأحداث عبر منظماتها، خصوصاً مكتب الشؤون الإنسانية (OCHA) ومجلس حقوق الإنسان، والتي تصدر تقارير تبرز حجم الانتهاكات التي تحدث في غزة. ومع ذلك، فإن هذه الوثائق لا تقترن بقرارات ملزمة أو خطوات تنفيذية على الأرض، بسبب الانقسامات بين الدول الأعضاء في مجلس الأمن، وعدم وجود إرادة سياسية لاتخاذ خطوات عملية.
رابعاً: ازدواجية المعايير في التعامل مع القضايا الإنسانية
تُبرز الحرب على غزة حجم التناقض في تعامل المجتمع الدولي مع القضايا الإنسانية. ففي حين تتعامل الدول الغربية بحزم مع أزمات في مناطق، نجد صمتاً أو تردّداً في اتخاذ مواقف حاسمة تجاه الجرائم التي تقع في غزة، رغم توثيقها بالصوت والصورة. هذه الازدواجية تُقوض الثقة في النظام الدولي وتكشف عن التأثير الكبير للمصالح السياسية والاقتصادية على القرارات الحقوقية.

ازدواجية المعايير
خامساً: صوت الشعوب والمجتمع المدني
رغم الصمت الرسمي، فقد لعبت الشعوب ومنظمات المجتمع المدني العالمي دوراً مهماً في كسر حاجز الصمت، من خلال المظاهرات الضخمة، وحملات الضغط مثل حركة المقاطعة BDS، ونشر محتوى توثيقي على وسائل التواصل الاجتماعي. هذه الأصوات الشعبية أصبحت تمثل قوة حقيقية في التأثير على الرأي العام العالمي، وتوجيه أنظار العالم نحو ما يحدث في غزة.
سادساً: هل من أمل في تغيير المواقف؟
رغم سوداوية المشهد، فإن تصاعد الوعي العالمي وتزايد توثيق الجرائم قد يشكلان حافزاً لتغير تدريجي في المواقف الدولية. ومن المرجح أن تزداد الضغوط على المؤسسات الدولية، مثل محكمة الجنايات الدولية، لاتخاذ إجراءات أكثر جرأة، خصوصاً إذا استمرت حملات التوثيق والمساءلة من قبل النشطاء والمنظمات الحقوقية.
خلاصة:
إنّ الموقف الدولي من الحرب على غزة يعاني من التناقض بين الخطاب والواقع، حيث تتكرر الإدانات دون أن تُتخذ خطوات توقف نزيف الدم الفلسطيني. وبينما تتغلب المصالح السياسية على القيم الإنسانية في مواقف كثير من الحكومات، تظل الشعوب ومنظمات المجتمع المدني أملاً حقيقياً في كسر جدار الصمت، وتحقيق مساءلة حقيقية تضع حداً للعدوان المستمر.

