بقلم: أ. آلاء أسيل بوالانوار
باحثة متخصصة في القانون الدولي العام
لم تأتِ المقاربة الترامبية لما سُمّي بـ“عملية السلام” من فراغ، ولم تكن مجرد اجتهاد سياسي عابر، بل شكّلت تحولًا عميقًا في فلسفة التعامل الأمريكي مع أحد أكثر نزاعات العالم تعقيدًا. فإدارة الرئيس الأمريكي. دونالد ترامب لم تنطلق من منطق الوساطة التقليدية القائم على التقريب بين الأطراف واحترام مرجعيات الشرعية الدولية، وإنما من منطق “إدارة الصراع” بما يخدم المصالح الإسرائيلية أولًا، ثم إعادة ترتيب المنطقة على أسس سياسية وأمنية جديدة.
في التجارب السابقة، ورغم الانحياز الأمريكي المعروف لإسرائيل، كانت واشنطن تحافظ – على الأقل شكليًا – على موقع “الوسيط” الذي يستند إلى قرارات مجلس الأمن، ومبدأ حل الدولتين، وفكرة الأرض مقابل السلام. أما في العهد الترامبي، فقد تم التخلي عن هذا القناع بالكامل، وأصبحت الولايات المتحدة طرفًا صريحًا في الصراع، يتبنى الرؤية الإسرائيلية ويعمل على فرضها كأمر واقع.
يكفي التذكير بسلسلة القرارات التي اتخذتها إدارة ترامب:
الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة إليها، الاعتراف بسيادة إسرائيل على الجولان السوري المحتل، تشجيع التطبيع العربي مع إسرائيل دون ربطه بأي حل عادل للقضية الفلسطينية، ثم طرح ما عُرف بـ“صفقة القرن” التي اختزلت القضية الفلسطينية في مشاريع اقتصادية بلا سيادة سياسية حقيقية.
كل ذلك يعكس انتقالًا واضحًا من البحث عن “حل للصراع” إلى محاولة “إدارته” بطريقة تضمن أمن إسرائيل وتفوقها الاستراتيجي.
في هذا السياق، لم تعد القضية الفلسطينية جوهر عملية السلام، بل تحولت إلى عبء سياسي يُراد التخلص منه أو تحييده. فبدل معالجة جذور الصراع المتمثلة في الاحتلال والاستيطان وحق تقرير المصير، جرى الالتفاف عليها عبر مقاربة اقتصادية تقول للفلسطينيين: “حسّنوا شروط عيشكم، واتركوا مسألة السيادة جانبًا”. وهو منطق يعكس رؤية براغماتية متطرفة، ترى أن العدالة ليست شرطًا للسلام، وأن القوة قادرة على فرض واقع دائم.
الأخطر من ذلك أن المقاربة الترامبية لم تستهدف الفلسطينيين وحدهم، بل سعت إلى إعادة هندسة النظام الإقليمي بأكمله. فقد جرى نقل مركز الصراع من كونه صراعًا عربيًا–إسرائيليًا إلى كونه صراعًا إقليميًا جديدًا تُقدَّم فيه إسرائيل كشريك أمني في مواجهة “التهديد الإيراني”، وتُعاد صياغة التحالفات على أسس أمنية وتكنولوجية واقتصادية، لا على أسس العدالة أو الحقوق التاريخية.
وهنا يصبح “السلام” في المفهوم الترامبي سلامًا مختلفًا: سلام بلا عدالة،
بلا التزام بالقانون الدولي،
بلا اعتراف حقيقي بحقوق الشعوب،
سلام يقوم على موازين القوة لا على موازين الحق.
إنها صيغة سلام تُشبه الترتيبات الأمنية أكثر مما تشبه التسويات السياسية، وتُشبه فرض الأمر الواقع أكثر مما تشبه المصالحة التاريخية. وقد تحقق استقرارًا مؤقتًا في بعض المناطق، لكنه استقرار هش، لأن الصراع الذي لا يُحل جذريًا لا يختفي، بل يتراكم في الوعي والذاكرة والوجدان السياسي.
من هذا المنطلق، يمكن القول إن المقاربة الترامبية لم تكن مشروع سلام بقدر ما كانت مشروع “إدارة صراع لصالح طرف واحد”، ومحاولة لتطبيع اختلال ميزان القوة وتسميته سلامًا. وهي بذلك لا تؤسس لاستقرار استراتيجي طويل المدى، بل تؤجل الانفجار وتعيد إنتاجه بأشكال أكثر تعقيدًا.
فالسلام الحقيقي لا يُفرض بالقوة، ولا يُبنى على إنكار الحقوق، ولا يتحقق عبر تجاوز التاريخ.
وكل سلام لا يقوم على العدالة، يظل سلامًا مؤقتًا… ينتظر لحظة انهياره.

