بقلم: د. خالد صبحي الطويل
دكتوراة في التنمية البشرية، وعضو اتحاد المدربين العرب.
في الزمن الطبيعي، كانت كلمات السعادة كثيرة: مبروك، نجاح، خطوبة، مولود جديد، وظيفة، ترقية.
أمّا في غزة، فقد اختصر الزمن قاموس الفرح كله في كلمة واحدة… كلمة قصيرة، خفيفة، لا تتجاوز أربعة أحرف، لكنها أجمل من الزهور على قلوب الجائعين والمنكوبين.
كلمة إذا ظهرت على شاشة الهاتف، صارت العيون تلمع، والقلوب تدق، والأرجل تكاد ترقص رغم التعب والجوع.
الكلمة هي: (تَوًجّه).
نعم… تَوَجّه.
لو عرف صانعو اللغة ما ستفعله هذه الكلمة في غزة عام 2025 لخصّصوا لها بابا مستقلا في المعاجم:
“تَوَجّه: فعلٌ يُستخدم للدلالة على فرحة مفاجئة، تصيب المواطن الغزي حين تصله رسالة SMS تُوَجّهه لاستلام طرد غذائي، فيبدأ بالابتسام لأول مرة منذ فترة طويلة.”
أصبح الهاتف هو صندوق الأمنيات، أو لعلّه ساحر عجوز لا نراه إلا حين يقرر أن يرسل برقا على شكل إشعار.
الناس تنام والهاتف تحت الوسادة، ليس خوفا من السرقة… بل خوفا أن تصل الرسالة فلا يسمعوها، فتضيع الفرحة، ويضيع معها طبق الأرز والزيت والسردين.
في المخيمات، صارت لغة الناس موحّدة:
– “إجتك؟”
– “لا والله، لسه… يمكن الدور عليّ بكرة.”
– “لا تزعل… المهم خلي الجهاز مشحون، يمكن تيجي فجأة.”
أصبحت كلمة “تَوَجّه” أهم من كلمة “صباح الخير”، وأقوى من كلمة “سلام”، وأجمل من كلمة “زواج مبارك”.
بل صار البعض يمزح بمرارة:
“لو واحد تقدّم لخطبة بنت اليوم وما معه مهر… يكفي يفرجي أهلها رسالة توجّه، وبتنحل.”
والأجمل؟ أن الناس، رغم الألم، يضحكون.
ضحكٌ أسود يشبه الفحم، لكنه ضحك…
ضحك يحاول أن يزاحم الجوع في صدورهم.
صار المشهد اليومي معروفا:
رجل يركض إلى أحبابه وهو يلوّح بهاتفه ويصرخ:
“إجت… إجت… يا جماعة وصلت!”
يقترب منه زوجته وأولاده وهم يلهثون:
“شو اللي إجى؟”
فيرفع الهاتف بفخر كأنه حصل على جائزة نوبل:
“رسالة… مكتوب فيها توجّه إلى مركز كذا لاستلام طرد غذائي.”
فتعلو الهتافات، ثم يأتي ذلك السؤال الفلسفي العظيم: كرتونة ولا طحين هالمرة؟

كابونة
ووسط هذا كله، يبقى التوجّه فعلا يوميا…
توجّه نحو الطوابير،،
توجّه نحو الانتظار،،
توجّه نحو الأمل،،
توجّه نحو لقمة تحفظ حياة أطفالك ليومٍ آخر.
غزة اليوم لا تملك رفاهية السعادة، لكن لديها قدرة عجيبة على تحويل رسالة SMS إلى مهرجان صغير.
لديها قدرة على أن تصنع من الكوميديا السوداء وسيلة للتنفّس، ومن الألم مادة للابتسام،
ومن كلمة “توجّه” نشيداً صغيراً للحياة.
وربما سيأتي يوم _ وهو ليس ببعيد _ تصبح كلمة “توجّه” عنواناً لمعرض فني، أو فصلًا في كتاب، أو مشهداً في فيلم.
لكن إلى أن يأتي ذلك اليوم…
سيبقى المواطن الغزي ينظر لهاتفه كل صباح، يرفع صوته بالدعاء، ثم يبتسم حين يسمع ذلك الصوت القصير الذي لا يُشبه شيئاً: (تنغ)!
ويظهر على الشاشة…
كلمةُ السر، وكلمةُ الفرج، وكلمةُ السعادة!


كتابات رائعه تحكي الواقع بدون تزيف دائما انتم مميزين