بقلم: أ. ناصر أبو أنس
لم يعد المشهد ضباباً يختلط فيه الصواب بالخطأ، بل غدا فلقاً أخلاقياً شطر الوعي نصفين؛ نصفٌ ارتضى أن يكون “حذاءً لغوياً” يطأ جثث الأبرياء، ونصفٌ قبض على جمر الحقيقة في زمن الرماد. لقد سقطت أقنعة “اللياقة المهنية” لتكشف عن وجوهٍ لا تكتب بمداد الحبر، بل بـ “زيت المحركات” الذي يُشحم آلة الموت.
هؤلاء ليسوا كتبة، بل هم “خياطو الأكفان” الذين يحاولون حياكة رواية تليق بمقاس القاتل. هم الذين يسفحون دم المصطلح على عتبات الممول، فيستبدلون “المجزرة” بـ “عثرة تقنية”، ويحولون “الاقتلاع” إلى “إعادة ترتيب للمكان”. إنهم يمارسون “الخصاء اللغوي” لكل صرخة حق، ويغلفون السمّ في عسل العقلانية الباردة، وكأن أنين المذبوح “ضجيج” يخدش وقار الاستوديوهات الأنيقة.
يا لتعاسة “المثقف الموظف”! ذاك الذي يجلس خلف مكتبه المصقول، يسكبُ القيح في قوالب من البيان، ويدعو الضحية لضبط “إيقاع صراخها” كي لا يزعج رهافة القاتل. إنه يرى النصل في الوريد، فيكتب عن “أهمية الحوار بين النصل واللحم”. هذا ليس فكراً، بل هو “مومس فكرية” تبيع شرف الكلمة في سوق النخاسة السياسي.
وعلى الضفة الأخرى.. ينهض الأحرار.
أولئك الذين لم تلوث أعينهم “دولارات الرؤية”، ولم تنحنِ قاماتهم لرياح المنع. هم الذين اختاروا أن يكونوا “مناراتٍ تحترق” لتضيء بشاعة المشهد، لا “مرايا” تعكس وجه الطاغية. الأحرار هم الذين فُصلوا من “جنّات الارتزاق” لأنهم رفضوا أن يغسلوا الدماء عن يد المجرم بـ “صابون الحياد”.
الحرّ لا يعرف “المنطقة الرمادية”؛ فالرمادي في زمن الإبادة هو لون الغبار الذي يغطى جثث الأطفال. المهنية عنده ليست “ميزاناً” يزنُ جثة الضحية مقابل ابتسامة القاتل، بل هي “بوصلة” تشير دوماً إلى الشمال الأخلاقي، حيث لا يساوم الدم على وظيفة، ولا تباع القناعات بكسرة خبز مغمسة بالذل.
آن الأوان لنمزق ستائر الزور: كل قلمٍ يبرر القتل بـ “الفلسفة”، وكل شاشةٍ تمنح القاتل “حق التفسير”، هي شريكٌ أصيل في الضربة القاضية. فالكلمة في زمن الدم إما أن تكون “ترياقاً” يحيي الوعي، أو “رصاصةً” تُجهز على ما تبقى من إنسانية.

