بقلم: أ. نضال الخليل
كاتب صحفي.
في زمنٍ تختزل فيه فلسطين أحيانًا في الخرائط والنزاعات وفي زمنٍ يبدو فيه الفلسطيني محصورًا بين حدود الجغرافيا والتاريخ يطل علينا د. أحمد بصلات ليذكّرنا بأن الفلسطيني أيضًا حاضر في فضاء المعرفة وأن فلسطين ليست فقط حكاية صراع بل حكاية قدرة على الإبداع، على الصمود وعلى ترك بصمة في أرقى التجارب العلمية في العالم
حصد بصلات جائزة Breakthrough Prize in Fundamental Physics لعام 2025 المعروفة باسم “نوبل الفيزياء الجديدة” تقديرًا لمساهماته المتميزة في تجربة ATLAS في مصادم الهادرونات الكبير (LHC) في المنظمة الأوروبية للأبحاث النووية (CERN) تجربة تُعدّ واحدة من أكثر التجارب تعقيدًا وأهمية في فيزياء الطاقة العالية والتي تسعى للكشف عن أسرار الكون وأصغر جسيماته.
هذا الإنجاز ليس مجرد وسام علمي هو شهادة على أن الفلسطيني قادر على أن يكون في قلب العلم والعالم معًا وأن الإبداع يمكن أن ينمو حتى في ظروف صعبة وأن الإرادة يمكن أن تجعل من جسيمات الكون مرايا للحلم والوجود الفلسطيني
منذ عام 2016 قاد د. بصلات فريق جامعة النجاح الوطنية في تطوير جهاز التتبع السيليكوني الداخلي (ITK) أحد الأعمدة الأساسية لتجربة ATLAS وهو الجهاز الذي يمثّل حجر الزاوية في الكشف عن الظواهر الأساسية للطبيعة ومن خلاله استطاع العلماء اكتشاف إشارات دقيقة تعكس التفاعلات بين الجسيمات الأولية التي تُشكل الكون.
الإبداع الفلسطيني هنا ليس محصورًا في السياسة أو الجغرافيا بل يتجاوزها إلى الفضاء الواسع للعلم والمعرفة إلى المكان الذي لا تحده الحدود، إلى الزمن الذي لا يوقفه الاحتلال أو النزاعات.
في عالم تُقاس فيه قيمة الإنسان بإنجازاته يثبت د. بصلات أن الفلسطيني قادر على أن يكون جزءًا من أكبر التجارب العلمية على الأرض وأن فلسطين يمكن أن تكون حاضرة على خريطة المعرفة العالمية من خلال العلم والإبداع.
إنجازاته لم تكن لحظية ولم تأتِ بالصدفة منذ بداياته في دراسة فيزياء الطاقة العالية كان يرى في جسيمات الكون أكثر من مجرد تجارب علمية بل أسئلة عن الحقيقة والوجود محاولًا أن يقرأ في طيات المادة ما يعكس صلابة الإرادة الفلسطينية.
قيادة فريق جامعة النجاح لتطوير جهاز ITK كانت تجربة امتزج فيها الإبداع بالمعرفة والصرامة العلمية بالإصرار على التمكين الأكاديمي للفلسطينيين وجعل من البحث العلمي جسرًا بين وطنه والعالم، بين تاريخه الصعب ومستقبل يمكن أن يبنيه بالعلم والمعرفة.
في عام 2022 اختير ضمن قائمة أكثر العلماء تأثيرًا عالميًا وفق Alper-Doger Scientific Index وهو تقدير ليس أرقامًا أو تصنيفًا فحسب بل اعتراف عالمي بدور فلسطيني استطاع أن يضع بصمته في التجارب العلمية الكبرى وأن يجعل فلسطين حاضرة في قلب المشروع الدولي الأكثر تعقيدًا في تاريخ الفيزياء.
هذا التقدير العالمي لا يعكس فقط إنجازًا شخصيًا بل يبرز قدرة المجتمع الفلسطيني على المشاركة في العلم العالمي رغم كل القيود المحلية والإقليمية وكأن الإرادة العلمية تصبح مقاومة نوعية في مواجهة ظروف الواقع السياسي والاجتماعي الصعبة.
الحديث عن د. بصلات لا يمكن أن يُفهم بمعزل عن تجربة الفلسطينيين في البحث عن التمكين عبر المعرفة فالفلسطيني ليس مجرد كائن محاصر بين الخرائط والحدود هو كائن قادر على تحويل المعاناة إلى إبداع وعلى أن يجعل من الصمود أداة للابتكار ومن المعرفة فسحة للهروب من قيود الواقع المفروضة بالقوة.
وهنا يكمن عمق إنجاز بصلات: ليس فقط في اختراعاته أو مساهماته في الفيزياء بل في ما يمثله من نموذج للفلسطيني الذي يرفض أن يكون مجرد ضحية للظروف ويختار أن يكون صانعًا للمعرفة.
جائزة Breakthrough Prize هي أكثر من مجرد تكريم فردي إنها رسالة للعالم بأن الفلسطيني قادر على المشاركة في أرفع التجارب العلمية وأن الإنجاز العلمي يمكن أن يكون فضاءً للكرامة والوجود وأن الإرادة يمكن أن تصنع جسورًا بين وطن صغير ومحافل العلم العالمية
الجهاز الذي ساهم بصلات في تطويره جهاز التتبع السيليكوني الداخلي ليس مجرد آلة هو رمز لصمود الفلسطينيين في مجال يتطلب دقة لا تعرف التفريط وإرادة لا تعرف الانكسار.
في كل إنجاز هناك درس فلسفي أن المعرفة ليست مجرد محتوى بل فعل وجودي أن الفلسطيني عندما يختار العلم طريقًا فإنه يتحرر من قيود الزمان والمكان ويصبح حضوره عالميًا رغم كل الصعوبات إنجازات بصلات تضع فلسطين على خريطة العلم الدولي وتفتح بابًا أمام أجيال من الطلاب والباحثين الفلسطينيين ليعلموا أن حدود الأرض لا تحدّ الإبداع وأن البحث عن الحقيقة يمكن أن يكون فعل مقاومة ومعرفة في الوقت نفسه.
د. بصلات يُظهر أن النضال يمكن أن يأخذ أشكالًا متعددة: نضال على الأرض، نضال في الفكر، نضال في المختبرات، نضال في جسيمات الكون.
في هذا المعنى إنجازاته العلمية جزء من مشروع فلسطيني أوسع:
- مشروع يثبت أن الفلسطيني يمكن أن يكون حاضرًا في كل فضاء وأن المعرفة يمكن أن تصبح سلاحًا بلا دم وساحة صمود بلا حدود.
الأثر هنا مزدوج علميًا وفلسفيًا:
– علميًا لأنه يشارك في تجربة ATLAS التي تعتبر من أعقد التجارب في الفيزياء الحديثة والتي تسعى لاكتشاف أسرار المادة والطاقة والجسيمات الأولية
– فلسفيًا لأنه يخلق نموذجًا للفلسطيني الذي يستطيع أن يضع صمته في مشروع عالمي دون أن يحتاج لأن تكون له جنسية مؤثرة أو دعم سياسي فقط بالعلم والإبداع.
ما يميز هذا الإنجاز أيضًا هو أنه يأتي في زمن العولمة العلمية حيث يعمل آلاف العلماء من مختلف الدول جنبًا إلى جنب
د. بصلات من قلب نابلس أصبح جزءًا من هذا النسيج العالمي وجعل من فلسطين موجودة في أرقى مختبرات العالم ليست مجرد حاضر سياسي بل حاضر معرفي، حاضر علمي، حاضر يعلن أن الفلسطيني يمكن أن يكون جزءًا من صناعة المعرفة العالمية
إن قراءة تجربة د. بصلات لا يمكن أن تنفصل عن قراءة التجربة الفلسطينية في سياقها الأوسع:
تجربة تحدّ الصعاب وتحوّل القيود إلى دافع للإبداع وتجعل من الفضاء العلمي متنفسًا للوطنية والمعرفة في آن واحد.
الفلسطيني الذي يكافح على الأرض للحقوق يمكن أن يكافح في المختبرات للمعرفة ويمكن أن يجعل من جسيمات الكون شهادة على صمود الإرادة الفلسطينية، على حضورها وعلى القدرة على الإبداع في أصعب الظروف.
بهذا المعنى تصبح الجائزة العالمية ليس فقط تقديرًا لعمل فرد هي رمزًا لقدرة الفلسطيني على أن يكون جزءًا من التجربة الإنسانية الأكبر وأن يسهم في مشروع المعرفة الذي يربط بين الشعوب والثقافات والعلوم مشروع يعيد تعريف فلسطين ليس فقط كأرض للصراع بل كأرض للإبداع كحاضرة في المختبرات، في التجارب الكبرى، في جسيمات الكون نفسها.
د. أحمد بصلات يجعل من الإنجاز العلمي الفلسطيني رسالة فلسفية:
– أن الفلسطيني قادر على الصمود والإبداع في آن واحد- أن المعرفة يمكن أن تكون صمودًا وأن الإرادة يمكن أن تتحول إلى أثر عالمي.
فلسطين هنا ليست مجرد مسرح للصراع بل مختبر للحقيقة وفضاء للإبداع ودرسًا للعالم بأن الإنسان مهما كانت ظروفه قادر على ترك بصمة على صنع جسر بين وطنه والكون كله، بين تاريخه ومستقبله، بين الواقع والمعرفة، وبين الصمود والإبداع.

