الباحث: نصر محمد ابو شهلا
باحث في ماجستير في القانون الخاص جامعة الأزهر بغزة.
مقدمة:
لا يكفي مجرد وقوع العيب الإجرائي في العمل الإجرائي حتى تثار المسؤولية الإجرائية أو يترتب الجزاء عليه، بل لا بد من أن ينشأ عنه ضرر. فالضرر يعد ركنا لازما في المسؤولية الإجرائية، شأنه في ذلك شأنه في سائر صور المسؤولية الأخرى. غير أن هذا الضرر لا يتخذ صورة واحدة، بل يختلف من حالة إلى أخرى بحسب طبيعة الفعل المؤاخذ عليه، وبحسب المصلحة التي قصد المشرع حمايتها من خلال القاعدة الإجرائية التي وقع الإخلال بها.
وقد عني المشرع، من خلال القواعد الإجرائية، بتنظيم ما قد يلحق الأعمال الإجرائية من عيوب، وذلك بترتيب المسؤولية على ما قد ينشأ عنها من أضرار تمس الخصومة الإجرائية، أو تهدد استقرار الحقوق والمراكز القانونية، أو تؤدي إلى إرباك المحاكم بإجراءات ودعاوى كيدية من شأنها تعطيل مرفق القضاء عن أداء وظيفته، كما قد يمتد الضرر الناجم عن هذه العيوب إلى المصلحة العامة، سواء فيما يتعلق بخدمة العدالة وحسن سيرها وانتظامها، أم بسرعة الفصل في القضايا، أم بمراعاة حقوق الخصوم في الدفاع.
ومن ثم، فإن المساس بهذه الاعتبارات لا يسوغ التغاضي عنه متى كان من شأنه الإخلال بالمصلحة التي ابتغاها المشرع من العمل الإجرائي وأحاطها بالحماية، فالمسؤولية المترتبة على العيوب الإجرائية إنما شرعت لمواجهة ما قد يصيب تلك المصلحة من ضرر، فإذا كان العيب مؤديا إلى تفويت هذه المصلحة تحقق الضرر، وقامت المسؤولية في مواجهة من تسبب فيه.
وعلى هذا الأساس، لا ينحصر النظر في المسؤولية الإجرائية في مجرد قيام المخالفة، بل يتجه أساساً في النظر إلى أثرها في المصلحة التي أراد المشرع حمايتها من خلال الإجراء. فالمسألة لا تقوم على مجرد ثبوت الإخلال بالقاعدة الإجرائية، وإنما على مدى ما أحدثه هذا الإخلال من مساس بالمصلحة المحمية أو تفويت للغاية التي شرع الإجراء من أجلها. فإذا لم يجاوز العيب حدود المخالفة الشكلية المجردة، بقي غير منتج للجزاء، أما إذا أفضى إلى المساس بتلك المصلحة أو إلى تعطيل تلك الغاية، فإن الضرر يكون متحققا، وتقوم المسؤولية الإجرائية على أساس واضح.
إشكالية الورقة:
تقوم هذه الورقة على الإجابة على التساؤل الرئيس الآتي:
هل يكفي مجرد ثبوت العيب الإجرائي حتى يترتب الجزاء عليه، أم أن الضرر يظل ركنا لازما لذلك، وما المقصود بهذا الضرر، وما حدوده وصوره في قانون أصول المحاكمات المدنية والتجارية الفلسطيني؟
ويتفرع عن هذا التساؤل عدد من التساؤلات الفرعية، أهمها:
ما المقصود بالضرر في المجال الإجرائي؟
ما مدى اختلاف الضرر الإجرائي عن الضرر في المسؤولية المدنية؟
ما صور الضرر الإجرائي في قانون أصول المحاكمات المدنية والتجارية الفلسطيني؟
ما الوظيفة التي يؤديها الضرر في ضبط الجزاء الإجرائي؟
أولا: مفهوم الضرر كركن لازم لقيام المسؤولية الإجرائية:
الأصل أن المسؤولية الإجرائية لا تقوم لمجرد حصول العيب في العمل الإجرائي، بل لا بد من أن يكون هذا العيب قد أفضى إلى ضرر. فالمخالفة الشكلية، مهما بدت واضحة، لا تبرر الجزاء إذا بقيت منفصلة عن أثر يمس المصلحة التي شرع الإجراء لرعايتها. ومن هنا فإن الضرر لا يعد نتيجة عرضية، بل يمثل الركن الجوهري للاعتداد بالعيب الإجرائي.
وتظهر أهمية هذا التصور في أنه يمنع من تحويل الجزاء الإجرائي إلى جزاء شكلي جامد، إذ لو اعتد بكل مخالفة بمجرد وقوعها لأصبحت الإجراءات غاية قائمة بذاتها، ولأدى ذلك إلى تعطيل الخصومة بدل تنظيمها. لذلك يؤدي الضرر وظيفة مزدوجة، فهو من جهة يمنع المغالاة في التشدد الشكلي، ومن جهة أخرى يحول دون التساهل مع العيوب التي تمس الضمانات الأساسية أو تعطل وظيفة الإجراء.
وعليه، لا يكفي أن يقال إن القاعدة الإجرائية قد خولفت، بل يجب أن يثبت أن هذا الإخلال قد أثر في الغاية من الإجراء، أو أدى إلى تفويت مصلحة إجرائية محمية، أو انتقص من ضمانة قررها القانون للخصوم. كما أن المرجع في تحديد الفعل الذي يعد إخلالا إجرائيا، وفي بيان الجزاء المترتب عليه، هو قواعد المرافعات ذاتها، لأنها هي التي تفرض الواجب الإجرائي، وتحدد صور مخالفته، وترسم الجزاء الذي يترتب على هذا الإخلال. وعندئذ فقط يكون الحديث عن المسؤولية الإجرائية قائما على أساس صحيح.
وفي ضوء ذلك، يمكن تعريف الضرر في المسؤولية الإجرائية بأنه فوات الغاية التي أراد المشرع تحقيقها من الإجراء، أو المساس بالمصلحة الإجرائية التي قرر الإجراء لحمايتها، على نحو يجعل العيب الإجرائي موجبا للجزاء.
ثانيا: خصوصية الضرر الإجرائي:
لا يفهم الضرر في المسؤولية الإجرائية على النحو نفسه الذي يفهم به في المسؤولية المدنية. ففي هذه الأخيرة ينصرف الذهن غالبا إلى خسارة مالية أو أدبية تصيب شخصا معينا. أما في المجال الإجرائي فإن الضرر لا يقف عند هذا الحد، بل يتمثل في فوات مصلحة إجرائية، أو في الإخلال بمركز قانوني إجرائي، أو في تعطيل الضمانة التي قررها القانون من خلال الشكل أو البيان أو الميعاد. ومن ثم فإن خصوصية الضرر الإجرائي ترجع إلى طبيعته الوظيفية، لأنه يقاس بمدى ما أصاب وظيفة الإجراء من خلل، لا بمجرد ما قد يترتب على العيب من أذى مادي أو معنوي في معناه التقليدي. فقد يقع العيب في التبليغ أو الحضور أو المرافعة أو الإثبات أو الحكم، دون أن يظهر ابتداء في صورة خسارة مالية مباشرة، ومع ذلك يكون الضرر قائما متى حال هذا العيب دون العلم بالإجراء، أو فوت على الخصم فرصة الرد، أو أخل بالمواجهة، أو أضعف قدرته على الدفاع. وعلى هذا الأساس لا يستمد الضرر الإجرائي أهميته من كونه ضررا شخصيا بالضرورة، وإنما من كونه مساسا بالمصلحة التي وضع الإجراء لتحقيقها. لذلك لا يصح الخلط بين الضرر بوصفه عنصرا في المسؤولية المدنية، والضرر بوصفه ركنا في المسؤولية الإجرائية.
ولا يمنع ذلك من أن يتجاوز الضرر الإجرائي، في بعض الحالات، نطاقه الإجرائي الخالص، فيمتد إلى ضرر مدني أو حتى إلى ضرر ذي طبيعة جنائية. فقد يترتب على العيب الإجرائي أو على الإخلال بالواجب الإجرائي مساس بمصلحة مادية أو أدبية لأحد الخصوم يستوجب التعويض متى توافرت شروطه، غير أن هذا الضرر المدني يظل في الأصل أثراً تابعا للضرر الإجرائي، ولا يقوم مقامه في تأسيس المسؤولية الإجرائية. كما قد يبلغ الإخلال في بعض الصور درجة تمس سلامة العدالة ذاتها أو تنطوي على غش أو تزوير أو إخفاء لمستندات قاطعة أو تحريف للحقيقة، فيتجاوز حينئذ نطاق الجزاء الإجرائي إلى مجال المسؤولية الجنائية. وعلى هذا الأساس، فإن الضرر الإجرائي قد يظل محصورا في نطاق الخصومة، وقد يمتد إلى آثار مدنية أو جنائية، بحسب طبيعة الفعل ودرجة خطورته والمصلحة التي أصابها.
ثالثا: صور الضرر الإجرائي في قانون أصول المحاكمات المدنية والتجارية الفلسطيني:
يتخذ الضرر الإجرائي في القانون الفلسطيني صورا متعددة، تختلف باختلاف المصلحة التي يصيبها العيب، فقد يمس المصلحة العامة المرتبطة بالتنظيم القضائي، وقد يصيب حسن سير الخصومة وانتظامها، وقد يبلغ حد الإخلال بوظيفة القضاء في تحقيق الحقيقة والعدل، كما قد يتجاوز في بعض الأحوال نطاقه الإجرائي إلى ضرر مدني تابع.
فمن صور الضرر الإجرائي ما يصيب المصلحة العامة القضائية، كما في حالة إرباك المحاكم بدعاوى لا تختص بها نوعيا. فالضرر هنا لا ينصرف إلى مصلحة خصم بعينه، وإنما يمس حسن أداء المحاكم لوظيفتها وحسن توزيع العمل بينها. ويظهر أثر هذا الضرر في الحكم بعدم الاختصاص، على نحو ما يستفاد من نص المادة (93) من قانون أصول المحاكمات المدنية والتجارية الفلسطيني.
ومن صوره أيضا ما يتمثل في تخلف الغاية من الشكل، إذ لا يقف العيب عند مجرد المخالفة الشكلية، بل يتجسد في فوات الغاية التي أراد القانون تحقيقها من الشكل باعتباره ضمانة ضد التحكم وأداة لحسن أداء العدالة. ويظهر أثر هذا الضرر في بطلان الإجراء متى لم تتحقق الغاية التي شرع من أجلها، على نحو ما يستفاد من نص المادة (23) من قانون أصول المحاكمات المدنية والتجارية الفلسطيني.
وقد يتمثل الضرر الإجرائي كذلك في الإخلال بحسن سير الخصومة وانتظامها، عندما يؤدي العيب إلى تأخير الفصل في الدعوى، وتراكم القضايا أمام المحاكم، والإضرار بحسن سير العدالة. فالضرر هنا لا يكمن في مجرد تخلف الخصوم عن الحضور، وإنما في ما يترتب على هذا التخلف من تعطيل للسير الطبيعي في الدعوى وإهدار وقت المحكمة والخصوم معا. ويظهر أثر هذا الضرر في شطب الدعوى إذا تخلف الخصوم عن الجلسة المحددة لنظرها وكانت غير صالحة للحكم فيها، ثم في اعتبارها كأن لم تكن إذا جددت الخصومة وتكرر التخلف بعد ذلك، على نحو ما يستفاد من نصي المادتين (85) و(88) من قانون أصول المحاكمات المدنية والتجارية الفلسطيني.
ولا يقتصر الأمر على واجب الحضور، بل يمتد إلى واجب تسيير الخصومة. ذلك أن ترك الدعوى معلقة مدة طويلة دون حسم يضر باستقرار الحقوق والمراكز القانونية، ويعوق المحاكم عن أداء وظيفتها، ويضع المدعى عليه في حالة تهديد دائم بالخصومة. ومن ثم فإن صورة الضرر هنا تتمثل في ركود الخصومة وما ينشأ عنه من اضطراب في المراكز القانونية وتعطيل لعمل القضاء، ويظهر أثره في اعتبار الخصومة كأن لم تكن وزوال آثارها، على نحو ما يستفاد من نصوص المواد (88) و(127) و(132) و(137) من قانون أصول المحاكمات المدنية والتجارية الفلسطيني.
وقد يبلغ الضرر الإجرائي درجة أشد خطورة حين يمس حسن قيام القضاء بوظيفته في تحقيق الحقيقة والعدل. ويتحقق ذلك عندما يلجأ أحد الخصوم إلى الغش، أو الاستناد إلى مستندات مزورة، أو إخفاء المستندات القاطعة في الدعوى، للحصول على حكم لا يقوم على حقيقة العلاقة المتنازع عليها، وإنما على وقائع خادعة أو مزورة. فالضرر هنا لا ينصرف فقط إلى الخصم الآخر، بل يصيب الثقة في القضاء وسلامة وظيفته ذاتها. ويظهر أثر هذا الضرر في إجازة الطعن بإعادة المحاكمة والتضحية بحصانة الحكم تغليبا للحقيقة، على نحو ما يستفاد من نص المادة (251) من قانون أصول المحاكمات المدنية والتجارية الفلسطيني.
وقد يتجاوز الضرر الناشئ عن العيب الإجرائي، في بعض الحالات، نطاقه الإجرائي إلى ضرر مدني تابع يصيب الخصم في مصلحة مادية أو أدبية تستوجب التعويض. فصورة الضرر هنا لا تقوم على مجرد الإخلال بالشكل، وإنما على ما ينشأ عنه من مساس بمصلحة مالية أو أدبية للخصم. ويظهر أثر هذا الضرر في الحكم بالتعويض إذا وجد النص الإجرائي الذي يجيزه، على نحو ما يستفاد من نص المادة (221) من قانون أصول المحاكمات المدنية والتجارية الفلسطيني. غير أن هذا الضرر المدني، على أهميته، لا يمثل الأساس الأول للمسؤولية الإجرائية، بل يظل أثرا تابعا للضرر الإجرائي، لأن القواعد الإجرائية هي التي تحدد الفعل المعيب، وتبين متى يعد إخلالا، وترسم الجزاء المترتب عليه.
رابعا: الوظيفة العملية لفكرة الضرر الإجرائي:
تكمن القيمة العملية لفكرة الضرر في أنها تحقق نوعا من التوازن بين متطلبين، هما احترام القواعد الإجرائية ومنع الإفراط في الشكليات. فهي من جهة تحول دون التساهل مع العيوب التي تمس الضمانات الأساسية، ومن جهة أخرى تمنع من ترتيب الجزاء على كل مخالفة لا أثر لها في الحقيقة.
ولهذا فإن الضرر لا يعمل فقط كركن لقيام المسؤولية الإجرائية، بل يعمل أيضا كمعيار لترشيد استعمال الجزاءات الإجرائية. فبدلا من أن يصبح الجزاء نتيجة آلية لكل مخالفة، يغدو مرتبطا بمدى تأثير العيب في الوظيفة التي يؤديها الإجراء. وهذا يجعل النظام الإجرائي أكثر اتساقا مع مقتضيات العدالة، وأكثر قدرة على التمييز بين ما يستحق التصحيح وما يستحق الجزاء وما يمكن تجاوزه لعدم جدواه.
خاتمة:
يلخص من هذه الورقة إلى أن الضرر يمثل الركن الجوهري في المسؤولية الإجرائية، وأن العيب الإجرائي لا يعتد به لمجرد قيامه، وإنما بقدر ما يؤدي إلى فوات الغاية التي أراد المشرع تحقيقها من الإجراء أو إلى المساس بالمصلحة التي قرر الإجراء لحمايتها. فالمعيار الحقيقي في هذا المجال لا يقوم على المخالفة الشكلية في ذاتها، بل على أثرها في الوظيفة التي يؤديها الإجراء داخل الخصومة.
كما تبين أن الضرر الإجرائي يتميز عن الضرر المدني بطبيعته ووظيفته، إذ لا ينحصر في الخسارة المادية أو الأدبية، بل قد يتمثل في الإخلال بحقوق الدفاع، أو في تعطيل سير الخصومة، أو في المساس بحسن سير العدالة والمصلحة العامة الإجرائية. ولهذا فإن فهم الضرر في المسؤولية الإجرائية لا يكون صحيحا إلا إذا ربط بالغاية من الإجراء وبالمصلحة التي شملها المشرع بالحماية.
وقد أظهرت تطبيقات قانون أصول المحاكمات المدنية والتجارية الفلسطيني أن المشرع لم يجعل الجزاء نتيجة آلية لكل عيب، وإنما ربطه بمدى تأثير هذا العيب في الغاية من الإجراء وفي المصلحة المحمية، سواء تعلق الأمر بعدم الاختصاص، أو بالبطلان، أو بشطب الدعوى، أو باعتبارها كأن لم تكن، أو بإعادة المحاكمة، أو بالتعويض في الحالات التي يقررها القانون.
وعليه، فإن القيمة الحقيقية لفكرة الضرر في المسؤولية الإجرائية تكمن في أنها تمثل ضابطا يحقق التوازن بين احترام القواعد الإجرائية من جهة، ومنع الإفراط في الشكليات من جهة أخرى، وبذلك تغدو أداة أساسية في حماية العدالة الإجرائية وصون حسن سير الخصومة.

