بقلم: أ. احمد عاطف الشيخ
محامي، ماجستير قانون عام
في صباح يوم السابع من أكتوبر، كنا كغيرنا من الأيام؛ بعضنا جالس في منزله، وآخرون يستعدون للذهاب إلى أعمالهم، قبل أن نفاجأ بإطلاق كثيف للصواريخ من قطاع غزة باتجاه الاحتلال الإسرائيلي. في البداية، ظنّ كثيرون أن الأمر ليس إلا جولة تصعيد معتادة، ربما ردًا على اغتيال أو حدث أمني كما اعتدنا في مرات سابقة.
لكن خلال لحظات، تغيّر كل شيء.
تبيّن أن هناك اجتيازًا للحدود، وأسرًا لجنود إسرائيليين، ومواجهات غير مسبوقة. حينها، اختلطت المشاعر بين من رأى في ذلك لحظة قوة وفرح، وبين من أدرك سريعًا حجم ما قد يترتب على ذلك من ويلات، فنحن نعلم أننا نواجه عدوًا لا يرحم.
لم تمضِ ساعات حتى بدأ الرد، وكان قاسيًا وعنيفًا. ارتُكبت مجازر كبيرة، وسقط آلاف الشهداء في الأيام الأولى. ومنذ تلك اللحظة، بدأ مشوار طويل من النزوح، والتضييق الاقتصادي، وتدمير البيوت والأحلام. أصبح السؤال الذي يلاحقنا يوميًا: متى ستتوقف هذه الحرب؟ وما السبيل لإنهائها؟
كنا نعيش على وقع الأخبار؛ مرة نسمع عن مفاوضات قريبة تُبشّر بنهاية الحرب، ومرة أخرى عن فشلها. وبين هذا وذاك، بقينا متمسكين بخيطٍ رفيع من الأمل، رغم أننا كنا نُقتل ونجوع كل يوم. لم تتوقف الانتقادات أيضًا، إذ رأى كثيرون أن على الأطراف المختلفة تحمّل مسؤولياتها والعمل بجدية أكبر لإنهاء هذه المأساة، بعيدًا عن الحسابات السياسية الضيقة.
وفي بداية عام 2025، جاءت هدنة مؤقتة بجهود دولية، فعاد بعض الناس إلى بيوتهم. كنتُ من بينهم، ووجدت منزلي كما هو. عمّت الفرحة قلوب الكثيرين، لكن هذه الفرحة لم تدم طويلًا. سرعان ما عادت الحرب، بسبب الخلافات حول تنفيذ بنود الاتفاق، لتعود معها المعاناة بشكل أشد.
تم إخلاء مناطق واسعة، خاصة في رفح والمناطق الشرقية والشمالية، وأُغلقت المعابر، وانتشرت المجاعة. فقد كثير من الناس حياتهم بسبب نقص الغذاء. ومع فتح ما سُمّي بمراكز المساعدات، تحوّلت المعاناة إلى مشهد يومي من الإذلال، حيث خاطر الناس بحياتهم للحصول على أبسط مقومات العيش.
ارتفعت الأسعار بشكل جنوني، ووصلت المواد الأساسية إلى مستويات لا تُحتمل. في الوقت ذاته، مُنعت المساعدات الكافية من الدخول، وانتشرت الفوضى، واستغل بعض التجار واللصوص الوضع لتحقيق مكاسب على حساب الناس. أصبح الحصول على الطعام معركة يومية، وكنا نسير في الشوارع منهكين من الجوع.
استمرت هذه الحال لأشهر طويلة، حتى أُعلن عن هدنة جديدة وفتح جزئي للمعابر، لكن الواقع بقي مختلفًا عمّا تم الاتفاق عليه. استمرت القيود، وتصاعدت المعاناة، مع شح الغذاء والطاقة، وتعقّد الحياة اليومية، وظهور مجموعات تستغل الوضع الأمني والإنساني.
تدهورت كرامة الإنسان بشكل مؤلم؛ حتى وسائل النقل لم تسلم من الإهانة، إذ أصبح الناس يُنقلون بوسائل بدائية، وقد يُطردون إن لم يملكوا فكة لأجرة الطريق. تفاصيل صغيرة، لكنها تعكس حجم الألم الذي نعيشه كل يوم.
ما عشناه لم يكن مجرد حرب، بل تجربة قاسية جرّدت الإنسان من أبسط حقوقه، ووضعتنا أمام سؤال لا يزال بلا إجابة: إلى متى سيستمر هذا الحال؟

