القلم الفلسطيني
  • الرئيسية

  • المقالات

  • الأبحاث

  • القصص

  • الأنشطة والفعاليات

  • تواصل معنا

  • الرئيسية

  • المقالات

  • الأبحاث

  • القصص

  • الأنشطة والفعاليات

  • تواصل معنا

عندما تكون النجاة ذنبا

عندما تكون النجاة ذنبا
02/04/2026 | 0 تعليقات

بقلم: أ. عبد العزيز عرفة
محامي فلسطيني

 

اسمحوا لي اليوم أن أتجاوز الأصول المتعارف عليها في كتابة المقالات؛ فما ستقرؤونه ليس مقالًا بالمعنى التقليدي، ولا تحليلًا لمشكلة تُطرح لها حلول، بل هو أقرب إلى فضفضةٍ أثقلها ما في الصدر. وليس لدي سوى هذه المنصة التي تمنحني مساحةً للتعبير دون قيود.

انتهت الحرب على القطاع — أو لعل الأدق أن نقول إنها خفَت حدّتها — لكننا ما زلنا نعدّ الشهداء يوميًا، وإن تراجعت الأعداد قليلًا. الموت لم يغادر، بل اكتفى بأن يصبح أبطأ.
كنت، كغيري، أراهن على الطبيعة البشرية في تجاوز المآسي. ظننت أن النسيان سيأتي كعادته دواءً رحيمًا، وأن الانشغال بمتطلبات الحياة ومسؤولياتها سيملأ خلايا التفكير في رأسي، فلا يترك مساحةً للماضي كي يواصل عبثه في نفسي.
لكنني فشلت.

ما زال شبح سنوات الحرب يلاحقني، وما زالت آلامها تسكنني كما لو أنها حدثت بالأمس. لم أتجاوز ما رأيت، ولم أتخطَّ ما عشته. وكيف يمكنني ذلك، وقد طبعت الإبادة ندوبها على كل تفصيل في حياتي اليومية؟ كلما حاولت النسيان، وجدت شادر خيمتي جاثمًا على صدري، يذكرني بأنه لا يقي حرًا ولا يمنع بردًا، وأن أي هبة ريح أو هطول مطر تعني ليلةً جديدة من الصراع مع الطبيعة، صراعًا لم أنتصر في أي جولةٍ منه حتى الآن.
أخرج إلى الشارع فتتسخ ملابسي ويتلطخ حذائي فوق طرقٍ دمرتها الحرب. الخيام والركام على جانبي الطريق تبدو كشواهد قبور، تعلن وفاة ساكنيها حتى وإن كانوا ما يزالون يتنفسون.
ولعل أكثر ما يزيد مأساتي أنني اخترت الأدب هواية. أحب الكتابة، وأجد فيها متنفسًا وسبيلي لتفريغ ما يختنق داخلي؛ سلاحي الوحيد في مواجهة عجزي. غير أن هذا السلاح انقلب عليّ فأصبح لعنة.

فعندما أبدأ كتابة قصة أو رواية، ينفلت خيالي تلقائيًا؛ أعيش معاناة أبطالي، أشعر بآلامهم وكأنها واقعي، وكأن ما عشته بنفسي لم يكن كافيًا.
ما زلت أتابع قصص الضحايا، وأشاهد يوميًا تسجيلاتهم وأفلامهم. وكان آخرها —وربما أقساها— فيلم “صوت هند رجب“، الذي دفعني إلى الكتابة هذه الليلة.
يا إلهي الرحيم… كنت أقاوم دموعي بصعوبة. شعرت بالاختناق والعجز كلما تردد صوتها البريء في التسجيل. لا أعلم لماذا شاهدته، ولا لماذا أكملته حتى النهاية.
شعرت أنني كنت هناك.
أراها داخل السيارة، محاطة بجثث عائلتها، وحيدةً خائفة، تمسك الهاتف كأنه طوق نجاتها الأخير، تتشبث بالصوت القادم منه كما لو كان بطلًا من خيالها الطفولي سيحميها من الوحش الحديدي الذي يقترب، مطلقًا رصاصه بلا رحمة.
كنت أراقب معها عقارب الساعة الثقيلة، كل دقيقة تمر كانت تزيد خوفها وألمها. كنت هناك عندما بدأ الظلام يهبط، مضيفًا رعبًا جديدًا فوق رعبها. صرت طفلًا في السادسة، محاطًا بالدماء والجثث، يرتجف قلبي مع كل طلقة، وتتجمد أطرافي كلما اقتربت الدبابة.
أكثر من ثلاث ساعات عاشتها تلك الطفلة في مكانٍ لم تبلغ وحشيته الغابات، وزمانٍ بدا أقل إنسانية من العصور الحجرية نفسها.
وأخيرًا، وبعد انتظارٍ قاتل، حصلت طواقم الإسعاف على الإذن لإنقاذها. مسار محدد لا يمكن تجاوزه. انطلقوا… ثم توقفوا؛ الطريق مغلق بالركام. اتصالات جديدة، دقائق أخرى تُقتطع من عمر الطفلة النازف. ثم جاء الإذن بمسار بديل. اقتربوا أخيرًا… لم يتبقَّ سوى مئات الأمتار. صار صوت الإسعاف مسموعًا في مكالمتها. النجاة بدت قريبة.

ثم… توقف كل شيء.
الإسعاف لم تعد تتحرك.
والطاقم لم يعد يجيب.

بعد اثني عشر يومًا، ومع انسحابات جزئية للجيش، وصلت طواقم الدفاع المدني إلى المكان. وجدوا مركبة الإسعاف مقصوفة، وأشلاء الطاقم متفحمة، جُمعت في أكياس الموت. مشهد لا يقل بشاعة عن السيارة التي حوصرت فيها الطفلة. أكثر من 350 رصاصة اخترقت المركبة. الجميع تحولوا إلى جثث… ومن بينهم هند.
بلا ذنب.
بلا ضمير.
بلا أي أثرٍ للإنسانية.

راقب العالم هند لأكثر من ثلاث ساعات، واكتفى بالمشاهدة. لم يتحرك أحد، ولم يُحاسب الجلاد. وما زال صوتها يسكن رأسي؛ توسلاتها تمزقني من الداخل وتذكرني بحجم العجز الذي نعيشه.
ومنذ ذلك الحين، أشعر وكأنني أجلد نفسي على نجاتي. كأن النجاة لم تكن نعمة بل مسؤولية ثقيلة. أشعر أن عليّ دفع ثمن بقائي حيًا؛ أن أكون شاهدًا.
فالصمت خيانة… خيانة للشهداء، وللجرحى والمعتقلين، وللبيوت التي صارت ركامًا، وللأحلام التي تحولت إلى كوابيس، ولقضيةٍ امتد عمرها ثمانين عامًا وبلغت إحدى أقسى لحظاتها في جيلنا.

هذا الشعور يرهقني ويستنزفني. لا أدري إن كنت أبالغ، أم أن ما أشعر به طبيعي.

أحاول أن أنسى أحلامي القديمة، لا استسلامًا بل اضطرارًا. فطفلي الصغير، الذي لم يتجاوز شهره السابع، لا يدرك شيئًا مما يدور حوله. يضحك ويبكي ويلعب وينام، كأنه يسكن أأمن بقاع العالم،تاركًا إياي في صراعٍ دائم مع الأسئلة:
هل سأنجح هذه المرة؟
هل سأتمكن من حمايته؟
هل سأربيه كما حلمت دائمًا؟
هل سيعيش الحياة التي تمنيتها له؟
هل سيكبر ليجد أباه محطمًا، يقاتل كل يوم فقط لتأمين لقمة العيش؟

وهل سيصدق يومًا أن والده كان مفعمًا بالأمل، محاميًا يرتدي بدلته الأنيقة صباحًا، وينظر إليه الناس باحترام وتقدير؟
أتمنى ذلك.

حين يُشرعَن الموت: من الأسر إلى الإعدام... حين يُصبح القانون أداة للموت...
حين يُشرعَن الموت: من الأسر إلى الإعدام... حين يُصبح القانون أداة للموت... بقلم: أ. حسام بدران
من الخوف إلى الجوع: رحلة المعاناة في غزة
من الخوف إلى الجوع: رحلة المعاناة في غزة. أ. احمد عاطف الشيخ

  • رواية “ويعود الربيع”

    رواية “ويعود الربيع”

    بقلم: د. احمد علي حماد في مساءٍ هادئٍ من أمسيات الخريف، كان “سليم” يجلس إلى مكتبه الخشبي القديم، يحدّق في... رواية “ويعود الربيع” اقرأ المزيد
  • خَلف القُضبان… حيث يُدفن الإنسان حيًا بإسم القانون؟!

    خَلف القُضبان… حيث يُدفن الإنسان حيًا بإسم القانون؟!

    بقلم: أ. حسام بدران متخصص في العلوم السياسية وإدارة الدولة – جامعة النجاح في السابع عشر من نيسان تتجدد حكاية... خَلف القُضبان… حيث يُدفن الإنسان حيًا بإسم القانون؟! اقرأ المزيد
  • قضية التحويلات الطبية… موت مؤجل في غزة

    قضية التحويلات الطبية… موت مؤجل في غزة

    بقلم: أ. حسام الغرباوي إعلامي رياضي تتفاقم أزمة التحويلات المرضية لمرضى وجرحى قطاع غزة بشكل غير مسبوق، في ظل الانهيار... قضية التحويلات الطبية… موت مؤجل في غزة اقرأ المزيد

اترك تعليقاً إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

عن القلم الفلسطيني

بالقلم الفلسطيني... نافذتك لفهم القضايا الاستراتيجية بعين فلسطينية، حيث نرسم الواقع ونكتب المستقبل
  • الرئيسية

  • المقالات

  • الأبحاث

  • القصص

  • الأنشطة والفعاليات

  • تواصل معنا

  • Instagram
  • Telegram Broadcast
  • WhatsApp
  • RSS
By Wael Aldaghma