بقلم: أ. غادة طبش
في ركن منسي من العالم الآخر، مكانٌ كان ملئ بالحب والشّغف والأحلام الشّبابية والطفولة الجميلة اسمها “غزة” باد الكرامة والعزّة، بلد الشموخ والكبرياء حيث الجمال الحقيقي والأحلام المتجذرة كشجرِ الزّيتون والتّين.
يستيقظ أطفال غزة العطشى اليوم لتبدأ رحلة البحث الطّويل عن وسائل التشبّت بالحياةِ والأمل رغم صعوبة الموقف وإجرام المحتل وخذلان الأمّة.
طابور الصّباح المفعم بالأملِ والنّشاط، وحقائب الدّراسة المليئة بالذكريات لمستقبلٍ أفضل في العالم؛ أمّا في غزة فالحياة هنا يا عزيزي مختلفة للغاية طوابير المياه لحياةٍ أشبه بحياةٍ البشر البسيطة، باتت ابسط أحلامهم توفير شربة المياه النظيفة، وطوابير وجبات الغذاء البسيطة التي لا تُسمن ولا تُغني من جوع وقهر، وطوابير غيرها وغيرها وغيرها… كل يوم يمُر تقتل فيه كل ذرات الطّفولة شيئا فشيئا، نُطارد اللقمة في سبيل تجنّب المجاعةِ آلت تُهلگ البطون والعقول.
اليوم في غزة أنيابُ المجاعة تعض بُطون الأطفال وتنهش ملامحهم مابين مشهدٍ ومشهدٍيعجزُ القلم عن التعبير ،طفل يحمل بين يديهِ دقيق تمتزج حبّاته بذراتِ الرّمل ،وطفل آخر يقتاتُ فُتات الخبز اليابس لِسدّ رمق الجوع والحرمان ،بينما يستشهد طفلٌ آخر على حافة الطريق عِندما كان يحمل الدقيق ،لِيُمسي اليوم قصة عنوانها
“لقمة عيش مغمسة بالدّم “.
في الخيام وجعٌ آخر ومعاناة أخرى أطفالٌ يبكون بصمتٍ يخنقون أوجاع بطونهم بمذبٍ بسيط وسط دموع حائرة وقلوبٌ موجوعة وأجسادٌ منهكة من التعبِ والكدِّ والحصار والجوع والحرمان.
كوني اليوم أم في غزة أتحدث من قلبِ الوجع والقهر والدمار، أعرف معنى الوجع الحقيقي ،أعرف ماهو نومة الطفل بِلا كسرة خبز، أعرِف جيداً نوم طفلتي بدمعٍ حار تُداري به خيبة أمل العرب وتهمس لي:
(لا بأس يا ماما… الجنّةُ في انتظارنا حيث الذين سبقونا هناگ، بابا ..أختي ..وأصدقائي).
أي لقمة عيش هذه التي يستمتع بها العالم وسط أوجاع أطفال غزة ؟
أي حياة ورفاهية يعيشها العالم وسط وجع ودمار وألم يتذوقه أطفال غزة؟
إنّ أطفال العالم يتعلمون التّاريخ من كتب التّاريخ في المدارس ،أمّا أطفال غزة فهم يُسطرون تاريخ عزتهم وصمودهم على أرض الواقع لحظةً بلحظة ،ينسجون أحلامهم وسط ضربات الرصاص والمدافع.
أيّ عالم هذا ؟وأي طفولة هذه ؟
فقط في غزة
“طفولةٌ معذبةٌ مُتهالكة تحت سياطِ الحرب “

