بقلم: أ. صائب جمال أبو جزر
ماجستير قانون عام
في الوقت التي تجري فيه المفاوضات، ومع زخم الأخبار المتناقضة، يُثار السؤال:
لماذا يعمد الاحتلال على تدمير ونسف المباني، التي هي بالأساس لا تصلح للسكن؟ ولماذا يقوم الاحتلال باستخدام فكرة الأرض المحروقة في الأرض التي هي بالأساس محروقة؟ مع العلم انه يعلم ان هذه المناطق لا تشكل أي خطر عليه!؟
الإجابة هنا تكمن في عدت فرضيات، منها:
الفرضية الأولى: وهي ان الاحتلال يعمد لتطبيق فكرة حصر سكان القطاع في منطقة انسانية محدودة الموارد، والفرص، والخدمات… وصولا للمرحلة التي يقدم فيها فكرة إمكانية التهجير، والذي في ظاهره حرية الاختيار! لكن في مضمونه مجموعة من الممارسات التي ستؤدي لاختيار خيار الهجرة وترك الوطن! وذلك لان الاحتلال يعمد في ممارساته لإعدام مقومات البقاء، وأساسيات الحياة الادمية، فيكون خيار الهجرة هو المنجاة، وهو السبيل الأوحد.
فمثلاً تخيل معي هذا المشهد: يعود الفلسطيني لبيته ويجد فيه غرفة واحد حينها سيحمد الله ويقول: أنا افضل من غيري! ووجود غرفة تأويني وعيالي، من برد الشتاء وحرارة الصيف، هو سبباً للصبر والثبات. وبعدها سيبدا في البحث عن تحسينات أخرى.
وفي المقابل عندما يعود ويجد بيته هبائا منثورا، ومستقبل أطفاله في خبر كان، ولا مصدر دخل مستقر، سوف يسال نفسه، كيف سأعتاد الحياة!؟

لا خيار سوى الهجرة
فيأتي الاحتلال بطريقة ما “المؤسسات الإنسانية التي ستنشأ” وتعرض عليه واهله إمكانية السفر والاستقرار في بلد امن، ويقدم له تسهيلات من مال، وبيت، واستقرار…، فسيكون في هذه الحالة ميوله إلى الخيار الذي فيه بصيص أمل هو الأرجح، وهو خيار الهجرة التي تسمى طوعية!
الفرضية الثانية: ان اعتماد الاحتلال على أسلوب نسف المناطق، بكل ما فيها هو رغبته في اطالة مدة الرجوع للحياة، بعد انتهاء الحرب، تمهيدا لفرض تغيرات ديمغرافية في المنطقة!
ففي حال كانت المدة المتوقعة لإعادة إعمار القطاع هي 10 سنوات، فستكون بهذا الأسلوب 30 سنة وأكثر… وهي مدة افضل وكافية لإلهاء المواطن الفلسطيني عن مطالبه المزعجة “العودة، والدولة، والاسرى…” وإبقاءه في دوامة الطعام والشراب! وهذا أسلوب تعمد اليه دولة الاحتلال في الكثير من ممارساتها الماضية، والحالية.
والدليل الذي لن اطيل في بيانه هو: ان مطالبنا في بداية العدوان هي:
1.. تبيض السجون، وإطلاق سراح كل الاسرى الفلسطينين.
2.. إنهاء الحصار عن قطاع غزة، والعودة…
والان مطالبنا هي:
1.. دخول عدد كافي من عُلب السردين، وكمية متفق عليها من اكياس الدقيق!
2.. الانسحاب من المناطق التي كانت بالأساس تحت السيطرة الفلسطينية، والعودة للتموضع السابق للسابع من اكتوبر.
في هذا المقال لا اقصد التنظير، ولكني اذكركم واذكر نفسي ان عدونا يُبدع في تحقيق المكاسب، ويبدع في تقليص مطالبنا بارادتنا، ظانين أننا نختارها… والحقيقة هي أننا نُحرك كدمى الماريونيت!

“انه لا ركام حتى لتعودوا اليه”
وفي النهاية يمكن الإجابة على السؤال السابق، بأنه:
التدمير لا يتعلق بالوظيفة العسكرية للمكان؛ بل بالقيمة الرمزية والإنسانية والنفسية!
وذلك في رسالة مُفادها “انه لا ركام حتى لتعودوا اليه”

