بقلم: أ. علياء الهواري
باحثة مختصة في الشأن الفلسطيني الاسرائيلي
لم تعد الحرب في الشرق الأوسط تُقاس بعدد الصواريخ التي تُطلق، بل بعدد الجيوب التي تُفرغ بصمت. في لحظة تبدو عادية داخل شوارع القاهرة، يقف مواطن أمام محطة وقود، يراجع حساباته قبل أن يملأ خزان سيارته، غير مدرك أن جزءًا من هذه الفاتورة كُتب بعيدًا، في غرف القرار داخل طهران، حيث يُعاد رسم ملامح الاقتصاد تحت ضغط العقوبات، وعلى إيقاع مواجهة مفتوحة لا تعترف بالهدنة.
في إيران، لا تُدار الدولة بمنطق الاقتصاد التقليدي، بل بمنطق “البقاء تحت الحصار”. فالعقوبات لم تستهدف فقط قطاعًا بعينه، بل ضربت البنية الاقتصادية في عمقها، من النظام المصرفي إلى صادرات النفط، وصولًا إلى القدرة على الوصول إلى الأسواق العالمية. ومع ذلك، لم تنهَر الدولة، بل أعادت تشكيل نفسها في صورة أكثر صلابة، وأقل شفافية.
النظام الإيراني لم يختَر المواجهة الاقتصادية، لكنه تعلم كيف يوظفها سياسيًا. فكل أزمة تُعاد صياغتها باعتبارها “معركة سيادة”، وكل ضيق اقتصادي يتحول إلى أداة تعبئة داخلية. لكن خلف هذا الخطاب، يتحرك اقتصاد موازٍ، يعتمد على شبكات معقدة من الالتفاف على العقوبات، وعمليات بيع نفط بطرق غير مباشرة، وصفقات تُعقد خارج النظام المالي التقليدي، غالبًا عبر شركاء مثل الصين وروسيا، في محاولة لكسر العزلة دون كسر القواعد الدولية بشكل صريح.
ورغم هذه القدرة على التكيّف، فإن الثمن الداخلي باهظ. العملة المحلية تعاني من تآكل مستمر، والتضخم يلتهم القدرة الشرائية، والطبقة الوسطى تتآكل تدريجيًا. لكن الأخطر من ذلك، أن الاقتصاد الإيراني أصبح مرتبطًا بشكل مباشر بمستوى التوتر العسكري. فكل تصعيد مع إسرائيل، أو أي تهديد بمواجهة إقليمية، لا يُترجم فقط إلى استعدادات عسكرية، بل إلى ارتباك اقتصادي فوري.
هنا، لا تعود الحرب حدثًا عسكريًا فقط، بل تتحول إلى أداة ضغط في سوق الطاقة العالمي. فإيران، رغم القيود، تظل لاعبًا أساسيًا في معادلة النفط، ليس فقط بما تنتجه، بل بما يمكن أن تعرقله. وفي قلب هذه القدرة، يقف مضيق هرمز، الشريان الذي تمر عبره نسبة ضخمة من صادرات النفط العالمية، والذي يكفي التلويح بإغلاقه لإرباك الأسواق ورفع الأسعار في دقائق.
الأسواق العالمية لا تنتظر الحرب…
بل تتفاعل مع احتمالها. هذه هي القاعدة التي تحكم حركة النفط. مجرد تصريح، أو تسريب أمني، أو تحرك عسكري محدود، يمكن أن يدفع الأسعار للارتفاع، ليس لأن الإمدادات توقفت، بل لأن الخوف من توقفها أصبح حاضرًا. هذه “اقتصاديات الرعب” هي ما يجعل تأثير الصراع يتجاوز حدوده الجغرافية، ويصل إلى دول لم تشارك فيه.
في هذا السياق، تجد مصر نفسها داخل معادلة معقدة. فبينما تسعى الدولة إلى تحقيق التوازن بين الاستقرار الاقتصادي وحماية المواطن، فإنها تظل جزءًا من سوق عالمي لا يمكن عزله. ومع اعتماد آليات تسعير مرتبطة بالأسعار الدولية وسعر صرف الدولار، تصبح أي موجة ارتفاع في أسعار النفط العالمية عبئًا إضافيًا على الاقتصاد المحلي
لكن ما لا يُقال كثيرًا، أن تكلفة الوقود لا ترتبط فقط بسعر البرميل، بل بسلسلة كاملة من العوامل التي تتضخم في أوقات التوتر. فمع تصاعد المخاطر في المنطقة، ترتفع تكاليف التأمين على الشحنات، وتزيد رسوم النقل، وتُعاد حسابات الشركات العاملة في مجال الطاقة. هذه الزيادات، التي قد تبدو هامشية في البداية، تتحول في النهاية إلى أرقام واضحة على مضخات الوقود.
هكذا، يتحول الصراع بين إيران وإسرائيل إلى عامل غير مباشر في تحديد سعر البنزين داخل مصر. ليس لأن القاهرة طرف في هذا الصراع، بل لأنها جزء من نظام اقتصادي عالمي يتأثر بكل اهتزاز في مراكزه الحساسة. فالعالم لم يعد يتحمل رفاهية الفصل بين السياسة والاقتصاد، ولا بين الجغرافيا والأسواق.
المفارقة أن المواطن، سواء في طهران أو القاهرة، يقف في النهاية على نفس الخط، لكن من زاويتين مختلفتين. الإيراني يدفع ثمن العقوبات والتضخم والضغوط الداخلية، والمصري يدفع ثمن التوترات العالمية وانعكاساتها على السوق المحلي. كلاهما خارج دائرة القرار، لكن داخل دائرة التأثير.
ومع استمرار التصعيد، يظل السيناريو مفتوحًا على احتمالات أكثر تعقيدًا. فكلما زادت حدة التوتر، زادت حساسية الأسواق، وكلما ارتفعت الأسعار، زادت الضغوط على الحكومات، وكلما اشتد الضغط، أصبح المواطن الحلقة الأضعف في سلسلة لا تنتهي.
في النهاية، لم تعد الحرب تُخاض فقط في السماء أو على الأرض، بل في الأسواق، وفي خطوط الإمداد، وفي قرارات التسعير. من طهران إلى القاهرة، هناك خيط غير مرئي يربط بين قرار سياسي هناك، وسعر لتر بنزين هنا. خيط لا يراه أحد، لكنه حاضر في كل تفصيلة يومية.

