بقلم: أ. احمد عاطف الشيخ
محامٍ، ماجستير قانون عام
في ظل الحرب المتواصلة والدمار الذي حلّ بقطاع غزة، لم تعد الأزمات الاقتصادية والاجتماعية مقتصرة على القضايا الكبرى، بل امتدت لتشمل أبسط تفاصيل الحياة اليومية، ومنها أزمة نقص الفِكّة والأوراق النقدية المهترئة. ومع تدمير البنية التحتية للبنوك وغياب الحكومة عن مراقبة الأسواق، تحولت هذه المشكلة البسيطة في ظاهرها إلى عبء اقتصادي واجتماعي وقانوني كبير، يمس حقوق المواطنين ويزيد من معاناتهم اليومية.
يُجبر المواطن الغزّي على التنازل عن جزء من مستحقاته أو شراء حاجيات إضافية لتجاوز مشكلة نقص الفِكّة، بينما يستغل بعض التجار هذه الفرصة ويبيعون الفِكّة أو الأوراق النقدية الجيدة بأسعار ربوية، ما يزيد من معاناة الناس ويحوّل أزمة نقدية بسيطة إلى ممارسة استغلالية غير قانونية. وفي الوقت ذاته، يلتزم التعامل بالعملة المتداولة رسميًا كوسيلة للوفاء بالالتزامات المالية، ويعد رفضها مخالفة للقواعد التنظيمية التي تضبط تداول النقد وتحمي حقوق الأفراد.
من الناحية القانونية، يضع قانون سلطة النقد الفلسطينية رقم (2) لسنة 1997م مسؤولية تنظيم وضبط وحماية وإدارة الأوراق النقدية والعملات المعدنية على عاتق السلطة، لضمان استقرار النظام النقدي وحماية حقوق المواطنين، بما يشمل وضع أنظمة وآليات واضحة لاستبدال الأوراق النقدية التالفة وضخ كميات كافية من الفِكّة في الأسواق. لكن الظروف الاستثنائية الحالية، من تدمير البنوك وغياب الرقابة الحكومية، تعيق تنفيذ هذه الإجراءات بشكل فعال، ما يؤدي إلى تفاقم المشكلة وتزايد فرص الاستغلال المالي.
كما أن انتشار هذه الظاهرة في ظل الحصار وانعدام تدخل الحكومة يجعل من الضروري تفعيل التدابير الرقابية والقانونية فورًا، بما في ذلك مراقبة التجار ومنع التعامل الربوي أو فرض أسعار مبالغ فيها على الفِكّة، وإلزامهم باستلام النقد المتداول قانونًا وفق القواعد المالية المنظمة، لتجنب المساس بحقوق المستهلكين.
تتمثل النتائج العملية في مساس حقوق المواطن، انتشار ممارسات غير قانونية، غياب آليات رسمية لاستبدال النقد التالف، ضعف الرقابة على الأسواق، وتأثير سلبي على الثقة في التعاملات المالية اليومية. وللتعامل مع هذه الأزمة، يُوصى بما يلي: تعزيز دور سلطة النقد الفلسطينية في مراقبة تداول الأوراق وضمان جودتها، إنشاء آليات واضحة وسريعة لاستبدال الأوراق التالفة، توعية المواطنين والتجار بحقوقهم وواجباتهم في التعامل بالنقد، تنسيق التشريعات بين وزارة المالية وسلطة النقد لضمان تداول منظم، ومنع أي استغلال ربوية أو فرض أسعار غير قانونية، ودعم الدفع الإلكتروني دون الإخلال بحقوق من يعتمدون على الكاش.
لكل ما سبق، يتضح أن أزمة الفِكّة والأوراق النقدية المهترئة في غزة ليست مجرد مشكلة خدمية عابرة، بل قضية تمس الحقوق المالية للمواطن وتشكل تحديًا قانونيًا وتنظيميًا كبيرًا، خصوصًا في ظل الحرب وتدمير البنوك وغياب الرقابة الحكومية. إن معالجة هذه الأزمة تتطلب تدخلات عاجلة وفاعلة لضمان تداول نقدي عادل ومنظم يحمي كرامة الأفراد ويخفف من معاناتهم اليومية، ويؤسس لاستقرار مالي وأمني حتى في أصعب الظروف.

