بقلم: أ. بسمة زهير أبو جبارة
كاتبة أدبية
ليس أصعب على الإنسان من أن يرى ثمرة عمره تتلاشى أمام عينيه… ليس لأن الزمن استهلكها… بل لأنه أُجبر أن يدمّرها بيديه!
هذا هو حال النازحين في غزة اليوم.
يقفون أمام بقايا أثاثهم…
تلك القطع التي كانت يومًا عنوان الدفء والاستقرار… يُدركون أنهم إن تركوها … فمصيرها إمّا أن تُنهب… أو يُدمرها القصف… أو تأكلها نيران الغربة!
فيختارون ـ مُكرهين ـ أن يكونوا هم من يكسّر ويحطّم، لعلّ الحسرات تهون إذا كان الفقد بأيديهم لا بأيدي الغريب!
أيُّ صراعٍ داخلي ذاك الذي يعيشه القلب في هذه اللحظة؟!
أن تمتد يدك لتكسر خزانةً خبّأت ثياب العيد لأطفالك…
أن تحطّم سريرًا كان ملاذًا للراحة بعد عناء النهار…
أن تمحو معالم مائدةً التفّت حولها العائلة في ليالٍ عامرة بالضحكات والأكلات الشهية.
إنك في كل ضربة مطرقة، لا تحطّم خشبًا ولا حديدًا… بل تحطّم جزءًا من نفسك… صفحةً من ذكرياتك… وجزءًا من عمرك الذي لن يعود!
تتدفقُ إلى الذاكرةِ أمامهم صور الماضي…
لحظة شراء هذا الأثاث بعد أعوامٍ من الكدّ والشقاء…
أو لحظة الفرح بهديةِ زفاف…
أو ترتيب هذه القطع بعناية في ركنٍ من البيت لتكتمل فرحة المسكن الجديد أو إضفاء لمسة جميلة بهجة وفرحًا بالعيد!
ثمّ، ما أسرع أن يتحوّل المشهد إلى نقيضه!
الأيدي ذاتها التي رتّبت وزيّنت، صارت تكسر وتُلقى بالقطع في النار.
ومع كل شعلة تتصاعد… يشعرون وكأن النار لا تلتهم الخشب وحده… بل تلتهم أرواحهم.
غير أنهم ـ وسط هذا النزيف الداخلي ـ يتشبّثون بعذرٍ قاسٍ:
“أن نُشعل به نارًا تدفئ أطفالنا خير من أن يضيع هباءً أو يُسرق أو يُسحق تحت الركام.”
لكن الحقيقة المريرة أن هذا العذر لا يُطفئ لوعة القلب، ولا يسكّن صرخة الفقد.
في غزة… لم يَعُد للأثاث شيئًا عزيزًا يُصان ، بل صار مجرّد وسيلة للبقاء.
في غزة… لا يحترق الخشب وحده، بل العمر كلّه.
في غزة… حتى الذكريات تُحرق!

