بقلم: د. أحمد على حماد
شاعر وكاتب مصري، دكتوراة
في الأزمنة التي يختلط فيها الصباح بالمساء، ويصير الصدق ظلاً لا يُرى إلا لمن يلاحقه بنور قلبه، تظهر على مسرح الحياة وجوهٌ كثيرة، تلمعُ أكثر مما تستحق، وتتكلم أكثر مما تعرف، وتُشغل الناس بضجيجٍ لا يمنحهم إلا مزيدًا من الصمت الداخلي.
زمنٌ لم يعد المرء يميّز فيه بين الصوت الذي يقول الحقيقة، والصوت الذي يقولها كما يريد الآخرون أن يسمعوها.
كأننا أمام مدينة واسعة، بُنيت كلها من مرايا.
كلما مررتَ فيها، رأيت وجوهًا لا تشبه ما خلفها، وأصداءً لا تشبه أصلها.
مدينة لا تحكمها القلوب، بل الوجوه، ولا يقودها العقل، بل الضوء… ضوءٌ خدّاع، لا يكشف الحقيقة، بل يصنعها.
في هذه المدينة، يتقن الناس فنَّ الظهور.
الجبانُ يُتقن لغة الوقوف منتصبًا،
والجاهلُ يجيد اختيار كلماتٍ أكبر من عقله،
والضالُّ يزيّن ضلاله بما يشبه الحكمة،
والمتسلقُ يعلو… لا لأنه يستحق العلو، بل لأن الناس اعتادوا النظر إلى الأعلى دون أن يسألوا: من الذي صعد؟ وكيف صعد؟
ولأن الضوء قد يخدع، كان الظلّ وحده يقول الحقيقة.
لكن من يلتفت للظلّ، والضوء أسرعُ إلى العين، وأبهى للناس؟
كل شيءٍ في هذا العالم صار قابلاً للتزييف:
الابتسامات التي تُخفي تعبًا طويلًا،
الكلمات التي تُستخدم كجواز سفر،
المبادئ التي تُطوى في الأدراج حين لا تناسب المشهد،
والضمائر التي تتوارى حين يبقى صوتها عبئًا على صاحبها.
ومع ذلك… هناك في الزوايا المعتمة، أناسٌ يعيشون ببساطة الحقيقة.
لا يجيدون فنَّ التمثيل، ولا يحسنون ارتداء الأقنعة، ولا يملكون الضوء الذي يلهث خلفه الآخرون.
لكنهم يملكون شيئًا أثقل من كل هذا…
يملكون قلبًا قائمًا وحده بين ممالك الزيف، لا يبحث عن ضجيج، ولا يطلب تصفيقًا.
هؤلاء قليلون… نعم، قليلون حدّ الشعور بأن العالم لا يراهم.
لكنهم، برغم قلتهم، هم الذين يمنحون الزمن بقايا معناه.
أما البقية… فهم يزدحمون في الصدارة.
يصنعون القرارات، يملكون الأصوات العالية، يقفون في أماكن كان يجب أن تكون لغيرهم.
يأخذون حقّ من لا يملك ضوءًا، ويعتلون أكتاف من لا يعرفون كيف يصرخون، ثم يظنون أن الصعود يعني الوصول.
الغريب أنهم، رغم هذا كلّه، يقتنعون بأن الصورة التي رسموها لأنفسهم هي الصورة الحقيقية.
يحسبون أن الناس صدّقتهم، وأن الحياة ستبقى حارسةً لأدوارهم إلى الأبد.
لكن ما ينسونه هو أن للحقيقة وقتًا يظهر فيه… حتى لو تأخر، وحتى لو بدت غائبة.
الحقيقة لا تُهزم.
هي فقط تنتظر اللحظة التي يُسدل فيها الستار.
وحين يُسدل، لن ينفع الضجيج، ولن تنفع الألقاب، ولن يُجدي نفعًا أن يقف الإنسان أمام مرآة عاش عمره يخدعها.
فالناس جميعًا سائرون إلى لحظةٍ يواجهون فيها أنفسهم… لا كما أرادوا أن يبدوا، بل كما كانوا حقًا.
عندها يعود كل شيء إلى حجمه الطبيعي، ويقف كل امرئ أمام ربه بصفحةٍ لا تعرف الزينة ولا المرايا.
حينها يربح الصادقون ما خسروا، ويخسر المنافقون ما ظنّوه مكسبًا.

