بفلم: د. احمد علي حماد
شاعر وكاتب مصري، دكتوراة
منذ أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها،
خرجت الولايات المتحدة الأمريكية من بين الركام لا باعتبارها دولة كبرى فحسب، بل بوصفها القوة المهيمنة على النظام الدولي الجديد، قوة امتلكت المال والسلاح والإعلام، وامتلكت قبل ذلك القدرة على فرض تعريفها الخاص لمعاني الحرية والديمقراطية والشرعية. غير أن التاريخ اللاحق، الممتد من عام 1945 وحتى أزمات القرن الحادي والعشرين وفي مقدمتها فنزويلا، يكشف أن هذا الصعود لم يكن مشروع إنقاذ للعالم بقدر ما كان مشروع سيطرة أنتج خرابًا اقتصاديًا واجتماعيًا وثقافيًا وسياسيًا وعسكريًا طال شعوبًا بأكملها، وترك آثارًا عميقة ما زالت تنزف حتى اليوم.
فمنذ اللحظة الأولى، لم تتعامل الولايات المتحدة مع العالم باعتباره شريكًا في بناء السلام، بل كساحة مفتوحة لإعادة التشكيل وفق مصالحها. الحروب التي خاضتها أو أشعلتها لم تكن دفاعية في جوهرها، بل وقائية واستباقية، تهدف إلى منع أي قوة أو نموذج سياسي أو اقتصادي من النمو خارج إرادتها. في كوريا، جرى تقسيم بلد كامل بالقوة، وفي فيتنام مورست واحدة من أبشع الحروب في التاريخ الحديث، حيث قُصفت القرى، وأُحرقت الغابات، واستُخدمت الأسلحة الكيماوية، ليس فقط لهزيمة خصم عسكري، بل لكسر إرادة شعب بأكمله. وفي الشرق الأوسط، تحوّلت الحروب الأمريكية إلى زلازل جيوسياسية، كان أخطرها غزو العراق عام 2003، الذي لم يدمّر نظامًا سياسيًا فحسب، بل دمّر دولة ومجتمعًا، وفتح أبواب الطائفية والعنف والفوضى التي ما زالت تحكم المنطقة حتى الآن.
لكن السلاح لم يكن الأداة الوحيدة، بل ربما لم يكن الأشد فتكًا. فقد بنت الولايات المتحدة نظامًا اقتصاديًا عالميًا يخدم مصالحها تحت عناوين “السوق الحرة” و”الإصلاح الاقتصادي”، مستخدمة مؤسسات دولية مثل صندوق النقد والبنك الدولي لفرض سياسات قاسية على الدول الضعيفة. هذه السياسات لم تؤدِّ إلى التنمية بقدر ما أدت إلى تفكيك الطبقات الوسطى، وتآكل الخدمات العامة، وربط الاقتصادات الوطنية بدوامة الديون. ومع مرور الوقت، تحوّلت العقوبات الاقتصادية إلى سلاح جماعي يعاقب الشعوب لا الحكومات، فتُجَوَّع المجتمعات، وتُنهَك العملات، ويُمنَع الدواء والغذاء، ثم يُقال إن الأزمة “داخلية” أو “نتيجة فشل محلي”.
وفي هذا السياق، تبدو فنزويلا مثالًا صارخًا على هذا النمط. فبعيدًا عن تبرئة الأخطاء السياسية والاقتصادية الداخلية، لا يمكن تجاهل أن الولايات المتحدة قادت حصارًا ماليًا ونفطيًا خانقًا، جُمِّدت فيه الأصول، ومُنع بيع النفط، وخُنق النظام المصرفي، ثم استُخدمت المعاناة الإنسانية كورقة ضغط لإخضاع نموذج سياسي لم يكن منسجمًا مع الهيمنة الأمريكية. وهكذا تحوّلت حياة ملايين البشر إلى أداة تفاوض، في مشهد يتكرر في أماكن عديدة من العالم.
سياسيًا، لم تكن الولايات المتحدة نصيرة حقيقية للديمقراطية، بل حارسة للولاء. دعمت انقلابات عسكرية، وأسقطت حكومات منتخبة، وساعدت أنظمة استبدادية طالما ضمنت مصالحها. الديمقراطية كانت مقبولة فقط حين تُنتج نتائج مرغوبة، أما إذا جاءت بصوت مختلف، فسرعان ما تُوصَف بالفشل أو التهديد أو “الشعبوية”. والنتيجة كانت دولًا ضعيفة السيادة، أو دولًا فاشلة، أو كيانات ممزقة بالصراعات الداخلية.
أما اجتماعيًا، فقد تركت التدخلات الأمريكية مجتمعات مكسورة. ملايين اللاجئين، أجيال نشأت في ظل الحروب، انهيار منظومات التعليم والصحة، وتحوّل العنف إلى لغة يومية. لم يكن الدمار ماديًا فقط، بل نفسيًا وأخلاقيًا، حيث تفككت الروابط الاجتماعية، وتعمّقت الانقسامات الطائفية والعرقية، في كثير من الأحيان بفعل سياسات “فرّق تسد” التي رافقت التدخلات العسكرية والسياسية.
وعلى المستوى الثقافي، مارست الولايات المتحدة شكلًا آخر من الهيمنة، أكثر هدوءًا وأطول أثرًا، عبر الإعلام والسينما ونمط الحياة الاستهلاكي. لم يكن الهدف تبادلًا ثقافيًا متكافئًا، بل إعادة تشكيل الوعي، وتهميش الهويات المحلية، وتحويل القيم الإنسانية إلى منتجات، والإنسان إلى مستهلك. هذا الغزو الثقافي، في كثير من الحالات، كان أعمق أثرًا من القصف، لأنه أصاب العقل والذاكرة والهوية.
وعلى امتداد هذا التاريخ، يتكرر المشهد ذاته:
تدخل باسم القيم، دمار على الأرض، ثم انسحاب بلا محاسبة، فيما تُترك الشعوب تواجه نتائج الخراب وحدها. لم تكن الولايات المتحدة شرًا مطلقًا، لكنها تصرفت بوصفها إمبراطورية، ترى العالم ساحة نفوذ لا فضاءً إنسانيًا مشتركًا، وتتعامل مع الشعوب باعتبارها أدوات أو أضرارًا جانبية في لعبة المصالح الكبرى.
إن الخراب الذي خلّفته الولايات المتحدة منذ الحرب العالمية الثانية وحتى فنزويلا اليوم ليس مجرد سجل أخطاء، بل نمط متكامل من الهيمنة، يجعل من القوة بديلاً عن العدالة، ومن المصلحة بديلاً عن الأخلاق. ويبقى السؤال معلقًا في وجه هذا التاريخ الثقيل: إلى متى سيستمر العالم في دفع ثمن نظام دولي تُصاغ قواعده بالقوة، وتُكسى شعاراته بالكلمات، بينما تُترك الشعوب وحدها تحت الأنقاض؟

