بقلم: أ. الاء أكرم العقاد
مسكتُ القلم في تلك الليلة الباردة، وكانت يدي ترتجفان كغصنين ضعيفين في مهبّ الريح. لم يكن البرد عابرًا، بل كان قاسيًا، يتسلّل من أطراف أصابعي حتى أعماقي. كلّما حاولت أن أُحكم قبضتي على القلم، أفلت من يدي وسقط على الأرض بصوتٍ خافت، كأنّه يعلن عجزه عن البقاء معي في هذه اللحظة الثقيلة.
كانت الغرفة صامتة إلا من أنفاسي المتقطّعة، والنافذة ترتجف تحت ضربات الريح. جلست على الكرسي الخشبي أراقب القلم الملقى عند قدمي، أشعر بأن بيني وبينه مسافةً أكبر من تلك التي تفصلني عن الأرض. لم يكن مجرّد قلم، بل كان حملاً من الكلمات التي لم تُكتب بعد، وأفكارًا تجمّدت قبل أن ترى النور.
انحنيت لألتقطه، ولامست أصابعي برودة الأرض، فازداد ارتجافي. عدت إلى مكاني، حاولت من جديد، لكن القلم سقط مرة أخرى. شعرتُ وكأنّ البرد يسخر من محاولاتي، يذكّرني بأن بعض اللحظات أقوى من الإرادة، وأن الجسد أحيانًا ينهار قبل الروح.
مرّت في ذهني ذكريات كثيرة، ليالٍ مشابهة كنت أكتب فيها بلا خوف، بلا ارتجاف، حين كانت يدي دافئتين وقلبي أكثر طمأنينة. تساءلت: متى أصبح البرد بهذا القسوة؟ ومتى صارت الكتابة معركة صغيرة أخوضها ضدّ يدي؟
لففت أصابعي بأنفاسي، أحاول أن أزرع فيها قليلًا من الدفء. حدّثت نفسي بصمت:
لن أترك القلم يسقط هذه المرة. أمسكت به ببطء، وكأنّي أمسك بآخر خيط يربطني بما تبقّى مني. كانت يدي ما تزال ترتجف، لكنّي تمسّكت بالقلم بقوة، رغم الألم، رغم البرد.
بدأت أكتب. الحروف خرجت متكسّرة، غير متناسقة، لكنّها كانت صادقة. مع كل كلمة، شعرتُ بأن شيئًا دافئًا يتسرّب إلى داخلي. لم يختفِ البرد تمامًا، لكنّه لم يعد مسيطرًا. صار الارتجاف أضعف، وصار القلم أكثر طواعية.
حين انتهيت، نظرت إلى الصفحة الممتلئة بالكلمات، وابتسمت ابتسامة خفيفة. أدركت أن القلم لم يكن يسقط من يدي بسبب البرد وحده، بل لأنني كنت أحتاج إلى شجاعة صغيرة لأكتب رغم كل شيء. وضعت القلم على الطاولة هذه المرة، ثابتًا، وكأنّه وجد أخيرًا مكانه الآمن.
وفي تلك اللحظة، فهمت أن بعض القصص لا تُكتب بالدفء، بل تُولد من الارتجاف.


جميل عزيزتي آلاء بالتوفيق والاستمرارية