د.فرح وائل أكرم أبو سيدو
صيدلانية و مدربة تنمية بشرية و صحة
حين تتحول غزة من جغرافيا الألم إلى مدرسة للشفاء الشامل…
في غزة لا يمكن اختزال الألم في عارض جسدي أو اضطراب عضوي بسيط،
و في غزة لا يمكن أن يكون العلاج مجرد وصفة مكتوبة بخط الطبيب أو حبة دواء تؤخذ ثلاث مرات يومياً،
هنا في غزة يتداخل الألم الجسدي مع النفسي مع الاجتماعي مع الاقتصادي مع السياسي في فسيفساء يومية مرهقة،
هنا لا نعيش فقط المرض بل نعيش أسبابه و نتائجه و معاناته المتراكبة عبر أجيال كاملة،
في أماكن كثيرة من العالم حين يمرض الإنسان يبحث عن صيدلية قريبة أما في غزة فإن أول ما يبحث عنه المريض هو وسيلة نقل آمنة
ثم كهرباء مستمرة لتبريد الدواء
ثم جرعة مفقودة منذ أشهر في مخازن وزارة الصحة ثم جدول قصف يقرر متى يستطيع أن يذهب لموعده في العيادة
في غزة المرض ليس لحظة طارئة
بل حالة دائمة من التآكل البطيء
ليس فقط بسبب الفقر و البطالة و سوء التغذية و انعدام الأمن الغذائي
بل بسبب الاحتلال و الحصار و العدوان و الخوف المزمن المستمر
فالمرض هنا ليس عدواً طارئاً بل ضيفاً مقيماً
هنا يولد الطفل تحت طائرات بدون طيار
و ينمو الطفل وسط رائحة البارود
و يتنفس من اللحظة الأولى مزيجاً من الهواء الملوث بالألم و الانتظار و التأجيل ، ينمو الطفل و هو يسمع مفردات مثل قصف ، شهيد ، مجزرة
معبر مغلق ، دواء مفقود ، تحويلة طبية ، احتلال ، حصار
يكبر الطفل و يفهم أن جسده ليس فقط بحاجة إلى حليب أو تطعيم
بل بحاجة إلى حماية نفسية و رعاية عاطفية و مساحة آمنة لا يمتلكها
كيف يمكن لطفل في غزة أن يتعافى من فقر الدم إن لم يجد طعاماً غنياً بالحديد ؟
كيف يمكن لفتاة مراهقة أن تتعامل مع آلامها الجسدية الشهرية دون أن تجد الدعم العاطفي و الرعاية الصحية؟
كيف يمكن لأم أن تلتئم جراح الولادة و هي تتقاسم غرف المشفى مع جرحى الغارات ؟
كيف يمكن لمسن أن يُشفى من ارتفاع ضغط الدم وسط أصوات الصواريخ و الانفجارات ؟
كيف يمكن لمريض السرطان أن يكمل علاجه و هو عالق في دوامة من التحويلات و الموافقات و السفر غير المضمون ؟
هل يكفي الدواء إذاً ؟
هل يمكن لحبة دواء أن تمحو كل هذا الكم من الضغط و الحرمان ؟
الدواء ليس كافياً
لأن الصحة ليست فقط خلواً من المرض الجسدي بل هي حالة من العافية الشاملة التي تشمل الجسد و العقل و الروح و العلاقات في غزة نحن نصاب بالسكري من الهم ، بفقر الدم من القهر ، بالقولون العصبي من القصف ، بالأرق من انقطاع الكهرباء ، بالربو من الغبار و السكن العشوائي ، و بالاكتئاب من الشعور بالعجز و الانغلاق وقلة الأفق
الدواء مهم نعم:
لكن هل يستطيع أن يعمل بفعالية في جسد محاصر ؟
هل يستطيع أن يؤدي مفعوله داخل إنسان فقد الأمان و الاستقرار ؟
هل يستطيع أن ينجح دون غذاء كافٍ أو ماء نظيف أو نوم هادئ أو حضن دافئ ؟
هنا تتجلى الحاجة إلى مبادرة إنسانية فكرية صحية شاملة، مبادرة تقول بصوت واضح الدواء ليس كافياً !؟
مبادرة تخرج من قلب التجربة وتخاطب الوعي لا العَرَض…
مبادرة لا تستبدل الطب الحديث و لا ترفض العلاج العلمي بل تتجاوزه إلى الأوسع إلى التكامل إلى إدراك أن الشفاء الحقيقي لا يبدأ من الصيدلية، بل يبدأ من البيت ، من الكلمة ، من الحضن ، من وجبة غذائية متكاملة من نوم جيد ، من مساحة آمنة للحكي ، من نفس مطمئنة ، من بيئة داعمة ، من وطن لا يقصف ، من سماء لا تمطر ناراً
مبادرتي لا تقول أن نرفض الدواء!
بل تقول أن نحترم الإنسان ككل لا كأعراض
أن نفكر بالصحة كعملية معقدة عميقة تحتاج مشاركة من كل المحيط
الصيدلي الطبيب الأسرة المعلم الأخصائي النفسي المجتمع
الجميع مسؤول عن العلاج
لا أحد يملك حله وحده
هذه المبادرة خرجت من واقع غزة
من مشاهد الأمهات اللواتي يحضنّ أبناءهن تحت القصف
من صمت الرجال الذين لا يملكون ثمن العلاج
من وجع الشابات اللواتي يخجلن من الحديث عن آلامهن
من قهر الشباب الذين يعجزون عن توفير دواء لذويهم
من أنين المرضى الذين ينتظرون تحويلات طبية لأشهر ثم يموتون
خرجت من إحساسي كفتاة فلسطينية صيدلانية شابة ترى في المريض إنساناً كاملاً و ليس مجرد وصفة…
خرجت من حرصي على كسر الصمت عن معاناة الناس الصامتة ، عن آلامهم المكبوتة ، عن مشاعرهم غير المرئية ، عن الجروح التي لا تظهر في الأشعة…

الدواء ليس كافياً في غزة
الدواء ليس كافياً !؟
لأن الجسد وحده لا يمرض،
و لأن الإنسان حين يتألم لا يحتاج فقط لعلاج بل لمن يسمعه،
و حين يتوجع لا يحتاج فقط لمسكن بل لكتف يستند عليه و حين ينهار لا يحتاج فقط إلى مضاد اكتئاب بل إلى معنى يُعيد له الرغبة بالحياة
مبادرتي هي دعوة لإعادة النظر في مفهوم الصحة
دعوة لنتعامل مع المرضى بإنسانية شاملة
دعوة لنفكر في المريض كأخ كابن كأب كأم لا كرقم في ملف أو تشخيص على ورقة
مبادرتي هي صوت غزة المحاصرة!
المؤلمة ؛ لكنها الحية القوية المُتعافية رغم الألم
مبادرتي تقول الدواء ليس كافياً !؟
لكن الإرادة كافية و الحب كافٍ
و الوعي كافٍ و المعرفة كافية
و التكافل كافٍ
حين نجتمع سنصنع شفاءً يتجاوز العلبة ، يتجاوز الحقنة ، يتجاوز الصيدلية
سنصنع شفاءً فلسطينياً أصيلاً
يخرج من الجراح و يذهب إلى الحياة.

