بقلم: د. احمد علي حماد
باحث وشاعر مصري
ومن المفارقات العجيبة التي تُدهِش العقل وتُربِك غرور القوة…
أن اليدَ التي امتدّت بخفّة اللصّ، لتختطف رئيسًا من قلب عاصمةٍ آمنةٍ في دقائق، هي ذاتُها التي تكسّرت أصابعها، وسُحِلت هيبتها، حين ظنّت أن العالم كلّه يشبه الخرائط التي ترسمها على مكاتب البنتاغون.
قوةُ دلتا الأمريكية،وهي ذروة ما أنتجته الصناعة العسكرية من احترافٍ وتكنولوجيا،نجحت حين وجدت فراغًا في الروح، وسكونًا في الإرادة، وسوقًا مفتوحة على المال ونمط العيش.
لكنها فشلت، وانكشفت، وانحنت، حين نزلت إلى أرضٍ لا تُقاس بالقوة، بل بالعقيدة؛ لا تُفتَح بالسرعة، بل تُغلَق بالصبر.
دخلوا الصومال كما يدخل السيّاح أرضًا بلا ذاكرة،
فاصطادهم أهلها كما يُصاد الوحش الجريح،
وسُحلت الجثث في شوارع مقديشيو لا تشفّيًا، بل رسالةً مكتوبةً بالدم:
هنا لا تُختطف الإرادة، ولا تُستعار الهيبة.
وحين عجزوا عن ابتلاع الهزيمة، حوّلوها إلى فيلم،
كأن السينما تُعيد للكبرياء ما سلبته الحقيقة،
وكأن الكاميرا تستطيع أن تُرمّم ما حطّمته الإرادة الشعبية.
ثم يظهر محللٌ أمريكي، بربطة عنقٍ باردة،
ليقول في لحظة صدقٍ نادرة ما لا يريد سادته أن يُقال:
فنزويلا ليست العراق، ولا أفغانستان، ولا غزة…
فنزويلا بلا روح جهادية.
وهنا ،عند هذه الجملة،ينكشف سرُّ التاريخ كلّه.
فأمريكا لا تخاف السلاح،
ولا ترتجف من الصواريخ،
ولا تُربكها الجيوش النظامية؛
إنما تخاف الإنسان حين يؤمن أن الموت أهون من الذل.
تفشل أمريكا،وتفشل معها إسرائيل،حين تواجه أناسًا لا يقاتلون من أجل النفط،
ولا من أجل الرفاه،
ولا من أجل نمط العيش الأفضل،
بل من أجل معنى الحياة ذاته.
غزة لم تنتصر لأنها أقوى،
بل لأنها أصدق.
والصومال لم تصمد لأنها أغنى،
بل لأنها لم تفرغ من روحها.
واليمن لم يُقهر لأنه محصّن بالسلاح فقط،
بل لأنه محصّن باليقين.
ولبنان، وإيران، وكل أرضٍ استعصت…
لم تفعل ذلك بالجغرافيا، بل بالإيمان.
ولهذا،ولهذا فقط،تُشنّ الحرب الحقيقية اليوم
لا على الأجساد، بل على القلوب؛
لا على البنادق، بل على المعاني.
يريدون أن ينزعوا من صدورنا تلك الروح التي لا تُشترى،
وأن يبدلوها بروحٍ استهلاكية تخاف فقدان الراحة أكثر من فقدان الكرامة.
يريدون إنسانًا يُحسن العيش، لا إنسانًا يُحسن الموت حين يجب.
لكنهم ينسون،أو يتناسون،حقيقةً واحدة،
أن الأمم التي تعلّمت كيف تموت واقفة
لا يمكن أن تعيش راكعة.
فنحن،حين نُخيَّر،لا نستسلم،
إما أن ننتصر…
أو نموت،
وفي الحالتين
نكون قد أفشلنا مشروعهم.

