د. أحمد علي حماد
“إسبانيا تسقط القناع عربي”
في زمنٍ تختلط فيه المواقف وتضيع فيه البوصلة الأخلاقية لدى كثيرٍ من الحكومات، برز موقف إسبانيا في الآونة الأخيرة بوصفه نموذجًا سياسيًا وإنسانيًا يستحق التوقف والتأمل. فقد اختارت مدريد أن تقف في صف القانون الدولي والضمير الإنساني، في وقتٍ فضّل فيه كثيرون الصمت أو التردد أو الاصطفاف خلف موازين القوة بدل موازين العدالة.
منذ اندلاع العدوان الإسرائيلي المتكرر على الشعب الفلسطيني، اتخذت إسبانيا مواقف متقدمة داخل أوروبا، حيث لم تكتفِ بالبيانات الدبلوماسية التقليدية، بل انتقلت إلى خطوات سياسية واضحة تعكس رفضها لانتهاكات القانون الدولي والجرائم التي يتعرض لها المدنيون في فلسطين. وقد بدا ذلك جليًا في المواقف الرسمية التي أدانت بوضوح سياسة الحصار والقصف والقتل الجماعي، ورفضت محاولات تبريرها تحت أي ذريعة.
لكن الموقف الإسباني لم يتوقف عند حدود التصريحات، بل تطور إلى إجراءات دبلوماسية حازمة، كان أبرزها تقليص مستوى التمثيل الدبلوماسي مع إسرائيل، واستدعاء السفير، بل والمضي نحو طرد السفير الإسرائيلي في سياق التصعيد الدبلوماسي احتجاجًا على الانتهاكات المستمرة. وهي خطوة تحمل دلالات سياسية كبيرة، لأنها تعكس أن العلاقات الدولية لا ينبغي أن تقوم على المصالح المجردة فقط، بل على احترام القيم الإنسانية والقانون الدولي.
ولم يكن هذا الموقف معزولًا عن رؤية أوسع لدى صانع القرار الإسباني، الذي أكد مرارًا أن السلام الحقيقي في الشرق الأوسط لا يمكن أن يتحقق دون الاعتراف الكامل بحقوق الشعب الفلسطيني، وفي مقدمتها حقه في إقامة دولته المستقلة ووقف الاحتلال وسياسات الاستيطان.
كما امتد الموقف الإسباني إلى رفض سياسة التصعيد العسكري في المنطقة، خاصة في ظل التوترات الأخيرة التي شملت إيران ولبنان، حيث عبّرت مدريد عن رفضها لتحويل الشرق الأوسط إلى ساحة صراعات مفتوحة، وانتقدت بشدة سياسات العدوان والتوسع التي تهدد استقرار المنطقة وتدفعها نحو مزيد من الفوضى.
إن ما يميز الموقف الإسباني ليس فقط وضوحه، بل شجاعته السياسية أيضًا. ففي عالمٍ تحكمه التحالفات والضغوط الدولية، ليس من السهل على دولة أوروبية أن تتخذ مواقف قد تُغضب قوى كبرى أو لوبيات نافذة. ومع ذلك، اختارت إسبانيا أن تنحاز إلى المبادئ التي تأسست عليها الشرعية الدولية.
وفي المقابل، يثير هذا الموقف تساؤلات مؤلمة حول مواقف كثير من الدول العربية والإسلامية، التي تبدو في كثير من الأحيان عاجزة عن اتخاذ خطوات حقيقية تتناسب مع حجم المأساة التي يعيشها الفلسطينيون. فبين بيانات الشجب التقليدية والخطابات المكررة، يبقى الفعل السياسي والدبلوماسي محدودًا أو شبه غائب.
المفارقة المؤلمة أن دولة أوروبية بعيدة جغرافيًا عن المنطقة تبدو أكثر جرأة في الدفاع عن الحقوق الفلسطينية من بعض الدول القريبة جغرافيًا وتاريخيًا وثقافيًا من القضية نفسها. وهو ما يكشف أزمة عميقة في الإرادة السياسية لدى كثير من الحكومات التي ما زالت أسيرة حسابات ضيقة أو ضغوط خارجية.
إن الموقف الإسباني يذكّر العالم بأن السياسة يمكن أن تكون أخلاقية، وأن الدفاع عن العدالة ليس شعارًا مثاليًا بل خيارًا سياسيًا ممكنًا. كما يبعث رسالة واضحة مفادها أن الشعوب المظلومة ليست وحدها، وأن هناك في العالم من لا يزال يؤمن بأن القانون الدولي والكرامة الإنسانية يجب أن يكونا فوق حسابات القوة.
ولعل الدرس الأهم من هذه اللحظة هو أن التاريخ لا ينسى المواقف. فالدول التي تنحاز إلى الحق تبقى مواقفها شاهدًا على شجاعة الضمير، أما الذين يختارون الصمت أو التردد، فإن صفحات التاريخ غالبًا ما تكتب أسماءهم في الهامش.
وفي زمنٍ تتكاثر فيه الأزمات وتتعقد فيه الصراعات، يبقى صوت العدالة ،مهما كان قليلًا ، أكثر بقاءً من ضجيج القوة. وإسبانيا اليوم تقدم مثالًا واضحًا على أن الدولة يمكن أن تكون قوية حين تدافع عن القيم، لا حين تتخلى عنها.

